بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظن علماء البايولوجيا التطورية وأصل الإنسان أن بإمكانهم الجزم بكل ثقة بأن أصل الإنسان حيواني، وذلك بالرجوع إلى ما بين الإنسان والحيوان من شديد تشابهات تبلغ في أحايين كثيرة حد التطابق! فالإنسان يتشابه مع الحيوان بايولوجياً وفسيولوجياً تشابهاً لا سبيل هناك إلى إنكاره وغض الطرْف عنه. ولقد سُوِّدت ملايين الصفحات تأكيداً لهذه التشابهات المثيرة للانتباه، والتي جعلت من هؤلاء العلماء يسارعون إلى البت والقطع بأن الإنسان أصله حيوان. وكل من يشكك في الأصل الحيواني للإنسان، هو من وجهة نظر هؤلاء العلماء جاهلٌ بما تسنى لهم الوقوع عليه من براهين وأدلة على ما يجمع بين الإثنين من وشائج قربى وصِلات وصلٍ تؤيد كلها جميعاً حقيقة كون الماضي التطوري للإنسان حيوانياً لا محالة. إلا أن هؤلاء العلماء قد غفلوا عن الانتباه إلى أن الإنسان يتمايز عن الحيوان بمفرداتٍ لا سبيل هناك للتعليل لظهورها، وذلك طالما كان ماضي الإنسان التطوري لا ينطوي إلا على تلك الصفحات الحيوانية التي يصر هؤلاء العلماء على أنها كل ما هنالك.
ولست أدري كيف فات علماء البايولوجيا التطورية وأصل الإنسان أن يتبيَّنوا ما يتمايز به الإنسان عن الحيوان من عدوانية مفرطة تجلت وتتجلى في هذا الولع منه بالاقتتال والتحارب والافتتان بكل ما هو ذو صلة بسفك الدماء! فلماذا لا يستطيع الإنسان أن يكون متوافقاً مع بني جلدته إلا خوفاً من سلطة القانون؟ ولماذا يهرع إذا ما غابت هذه السلطة إلى الولوغ في دم أخيه الإنسان من بعد أن يتفنن في سومه صنوف العذاب؟! ولماذا كان تاريخ الإنسان على هذا الكوكب على هذا القدر من الوحشية غير المبرَّرة؟
إن القول بأن الإنسان أصله حيوان يستدعي منا أن نجيب على هذه الأسئلة كلها جميعاً بإجاباتٍ يتبيَّن من خلالها أن هناك تشابهاً بين سلوكيات الحيوان العدوانية وسلوكيات الإنسان. فهل يستطيع علماء البايولوجيا التطورية وأصل الإنسان أن يجدوا في السلوك العدواني المنضبط للحيوان ما يمكِّنهم من التعليل لهذا الذي هو عليه الإنسان من عدوانية متوحشة غير منضبطة بأية ضوابط ذات صلة بقوانين “البقاء للأصلح” و”الصراع من أجل البقاء”؟!
إن وحشية الإنسان وعدوانيته غير المنضبطة لا يمكن لهما إلا أن يؤيدا القول بأن الإنسان لا يمكن أن يكون سليل كائناتٍ منضبطة العدوان كالحيوانات. فمن أين إذاً تأتى للإنسان أن يكون على هذا القدر من العدوان غير الطبيعي؟ وكيف يمكن لهؤلاء العلماء أن يعللوا لما يتميَّز به الإنسان من هذه الوحشية في التعبير عما يعتلج داخله ويجيش من نوازع العدوان؟!
إن الأمر يتطلب من علماء البايولوجيا التطورية وأصل الإنسان ضرورة مراجعة المُسلَّمات التي انطلقوا منها، والتي أوصلتهم إلى الجزم القاطع بأن كل ما في الإنسان بالإمكان التعليل له بالرجوع إلى أصله الحيواني.
