علة الإفساد في الأرض

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

خلق الله تعالى الوجود سالماً مبرَّءاً من الفساد. فكل ما في الوجود يطيع الله تعالى إطاعةً تتكفَّل بألا يكون هناك فيه فسادٌ ولا إفساد. ولقد أنبأنا القرآن العظيم بأن السموات والأرض اختارتا أن تكونا طائعتين لله تعالى، فكان ذلك الاختيار منهما العلةَ من وراء خلوِّهما من أي فساد (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (11 فصلت)، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) (من 72 الأحزاب).

والمتفكِّر في الوجود، سمواتٍ وأرضين، لابد وأن يُدهشه ويُذهله هذا الذي هو عليه من انضباطٍ يشي بما عادَت عليه إطاعته لله تعالى من تناغمٍ واتِّساقٍ وانسجامٍ وتوافق بين مفرداته كلها جميعاً فلا طغيان لكبيرٍ على صغير، ولا تجاوز للحدود التي فرضها اللهُ تعالى وسلَّطها على هذه المفردات كيما يتسنى للكل أن يتواجد ويتعايش دونما خللٍ أو اضطراب. فاللهُ تعالى لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (من 205 البقرة)، (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (من 64 المائدة).

كما ويخبرنا القرآن العظيم عن أول ظهورٍ للفساد في الأرض، وذلك في سياق حديثه عما حدث قبيل استخلاف الله تعالى لسيدنا آدم عليه السلام في الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من 30 البقرة). وتدبُّر هذه الآية الكريمة يبيِّن لنا أنه كانت هناك كائناتٌ تفسد في الأرض وتسفك الدماء مما استوجب أن يُصار إلى إبادتها والقضاء عليها، وذلك لأن ما كانت تقوم به لم يكن ليتَّسق ويتوافق مع قانون الله تعالى المُنظِّم لتعايش المخلوقات الحية على الأرض. وتخبرنا هذه الآية الكريمة أيضاً بأن الله تعالى استثنى سيدنا آدم عليه السلام من تلك الإبادة الجماعية، وذلك لأفضلية فيه كان الله تعالى قد تسبب بها عند نفخه تعالى فيه من روحه (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (28 -29 الحجر). ولقد استحق سيدنا آدم عليه السلام بهذا التدخل الإلهي المباشر في تخلُّقه أن يُسكَن الجنة التي أخبره الله تعالى بألا يقرب شجرةً فيها، وذلك حتى لا يُخرَج منها فيشقى. إلا أن سيدنا آدم عليه السلام أكل من تلك الشجرة فكان أن أُخرج من الجنة وأُعيد إلى الأرض لتشقى ذريته بهذا الذي توجَّب عليها أن تعاني منه جراء ما جرَّته عليها تلك الأكلة المحرَّمة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (116 -117 طه).

فشقاء الإنسان على هذه الأرض قدرٌ إلهي مفروضٌ عليه طالما أبى هذا الإنسان إلا أن يُعرِض عن هدي الله تعالى والذي لا خلاصَ له منه إلا باتباعه (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون) (38 البقرة). ومن بين أعظم مفردات هذا الشقاء البشري، الذي سلَّطه الإنسان على نفسه قدراً مفروضاً، هو الإفساد في الأرض والذي يمثِّل عودةً إلى ما كان يقوم به أسلافه من إفسادٍ في الأرض وسفكٍ للدماء. ولقد تجلَّت تلك العودة إلى الإفساد في الأرض من جديد بهذا الذي امتلأت به كتب تاريخ الإنسان من صنوف العدوان الظالم على أخيه الإنسان وعلى الطبيعة بكل ما فيها من نباتٍ وحيوانٍ وحجر، فأصبح الإنسان بذلك مفسداً في الأرض التي كان الله تعالى قد برَّأها من هذا الفساد وذلك عندما أجهزت ملائكته الكرام عليهم السلام على أسلاف الإنسان الذين كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.

ويخطئ مَن يظن أن الإنسان خُلق خليفةً في الأرض يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم شرع الله، وذلك لأن ما شهدته الأرض من أفعال هذا الإنسان ليس لها إلا أن تقدِّم الدليل والبرهان على أنه ليس هذا الخليفة على الإطلاق. كما ويبيِّن تدبُّر ما جاءنا به القرآن العظيم من آياتٍ كريمة عن الفساد الذي تحقق على يد الإنسان أن تعظيم الإنسان لنفسه ليس بمقدوره أن يُخفي حقيقته التي تُجلِّيها هذه الآيات الكريمة: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (41 الروم)، (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (11 -12 الفجر)، (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (من 32 المائدة)، (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (33 المائدة)، (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (من 73 الأنفال)، (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) (من 116 هود)، (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (من 77 القصص)، (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (83 القصص)، (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (27 البقرة)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (25 الرعد)، (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) (88 النحل)، (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (151 -152 الشعراء)، (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (56 الأعراف)، (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (22 محمد)، (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (من 60 البقرة)، (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (من 64 المائدة)، (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (من 74 الأعراف)، (وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (من 86 الأعراف)، (وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (من 142 الأعراف)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (من 81 يونس)، (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) (من 94 الكهف)، (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (4 القصص)، (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) (30 العنكبوت)، (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار) (28 ص).

يتبيَّن لنا بتدبُّر ما ورد أعلاه من آياتٍ كريمة أن الإنسان لا يمكن له أن يستبدل قدَره الذي فرضه على نفسه بنفسه فجعله هذا القدر يُفسد في الأرض، إلا إذا ما هو اختار أن يتَّبع هَديَ الله تعالى فيسير منضبطاً بضوابط هذا الهدي الإلهي على طريق الله تعالى فيكون له أن يعيش على هذه الأرض مصلحاً غير مفسد. وهذا أمرٌ يتطلب من الإنسان وجوب الانقلاب على نفسه التي لا همَّ لها ولا غم إلا بأن تجعله يطيع أمرها فيكون بذلك من المفسدين وإن كان يظن أنه من المصلحين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون) (11 البقرة).

إن كوكب الأرض يستصرخنا حتى ننقذه مما فعله به السفهاء منا ممن أشبوعه إفساداً بحجة الإصلاح! فالإصلاح ليس من سبيل إليه إلا بالإقرار بأن الإنسان إن هو لم يسِر على طريق الله تعالى منضبطاً بهَديه القويم فإنه مفسدٌ في الأرض لا محالة.

لقد خلق اللهُ تعالى الطبيعة وجعلها عالمَه الذي بمقدورنا أن ننظر إليه فنراه عالماً مثالياً لا فساد فيه على الإطلاق. وبذلك يتكفل التفكُّر في الطبيعة، ومقارنة ما هي عليه من انضباطٍ وخلوٍ من الفساد بهذا الذي هو عليه الإنسان، بجعل الإنسان يدرك ما هو عليه من فسادٍ جرَّه عليه إذعانه لنفسه وخضوعه لهواه. وهكذا يبيِّن لنا التفكُّر في ما بين الإنسان والطبيعة من فروقات السبيل الأوحد للنجاة بعيداً عن عالم النفس والهوى إلى عالم الله تعالى حيث ينعدم الفساد ويعم الصلاح.

أضف تعليق