بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

اختلف المفسرون في “السموات السبع” قديمهم وحديثهم. وزاد الطين بلة أن استعان مفسرو هذا الزمان بما تسنى لهم الحصول عليه من معرفةٍ بعلم الفلك فخرجوا علينا بتفسيراتٍ أرادوا بها إبهار علماء الفلك بزعمهم أن هذه السموات تتطابق مع ما توصلوا إليه من حقائق تخص تركيبة الكون! ولقد فات هؤلاء المفسرين المعاصرين أن يتدبَّروا القرآن العظيم قبل أن يسارعوا إلى إطلاق مزاعم إن هي دلَّت فإنما تدل على أنهم كانوا بحاجة إلى مزيدٍ من التروِّي والتمهُّل والمتعُّن والتفكُّر قبل أن يطالبوا علماء الفلك بالالتفات إليهم وتفحُّص ما توصَّلوا إليه!
فلو أنهم تدبَّروا ما جاء بشأن هذه السموات السبع في القرآن العظيم، لأدركوا أن هناك تناقضاً بين ما يقول به هذا القرآن وما يذهب إليه علم الفلك بهذا الخصوص. فاستناداً إلى علم الفلك تكوَّنت السموات قبل تكوُّن الأرض بملياراتٍ من السنين. وهذه حقيقة من حقائق علم الفلك لا مراء فيها ولا جدال، بينما تفضي بنا المقاربة المعاصرة لتفسير “السموات السبع” إلى وجوب القول بأن الله تعالى خلق الأرض قبل أن يخلق السموات! وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه إذا ما نحن قرأنا الآيات الكريمة التالية بعين هذه المقاربة المعاصرة (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (29 البقرة)، (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِين. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) (9 -من 12 فصلت).
فالمقاربة التقليدية لهذه الآيات الكريمة تخفق في تبيُّن وإدراك أنها تتحدث عن الأرض بعد مليارات من السنين على خلقها هي والسموات في تراتب يتَّفق تمام الاتفاق مع ما يقضي به علم الفلك، أي بأن يجيء خلق الأرض من بعد خلق الله تعالى السموات. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (27 -33 النازعات). إن تدبُّر هذه الآيات الكريمة وقراءتها على ضوء ما سبقها من آياتٍ كريمة يُفضي بنا إلى وجوب الإقرار بأن السموات السبع هي غير السموات التي خلقها الله تعالى مبتدأ الخلق. فالسموات السبع خلقهن الله تعالى بعد خلقه الأرض وليس قبلها. وهذه السموات السبع هي سموات أرضين سبع أرضنا واحدةٌ منهن وسماؤنا الدنيا إحداهن. وما تتميز به هذه السموات السبع عن باقي موجودات الكون هو أن أرضينها تعج بحياة بايولوجية نباتية وحيوانية ينفرد كوكبنا الأرضي من بينها بأن فيه حياةً بشرية.
إن هذا الذي يقول به القرآن العظيم من أن الكون ليس فيه غير سبع كواكب مأهولة بالحياة البايولوجية لهو سبقٌ معرفي يحق لنا أن نفاخر به، وذلك طالما عجز علم الفلك المعاصر عن أن يجيئنا بأي دليل على أن هناك في الفضاء حياةً بايولوجية كهذه التي نعرفها على كوكبنا الأرضي هذا.
