بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لقرآن الله العظيم حقيقةٌ أشارت إليها الآية الكريمة 21 من سورة الحشر (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون). فلو أن هذا القرآن تجلى لنا بوجهه الحقيقي لأصابنا ما كان ليصيب الجبل لو أن الله تعالى أنزله عليه. وهذا ليس بالمستغرب وذلك طالما كان القرآن العظيم هو كلام الله تعالى الذي أنبأنا هذا القرآن بأنه تجلى لجبل سيدنا موسى عليه السلام فجعله دكاً (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين) (من 143 الأعراف). فالله متواجد بيننا دونما تجلٍّ منه، إذ أن تجلِّيه تعالى لنا سيجعل منا نتلاشى وننهار كما حدث لجبل سيدنا موسى عليه السلام. والله قادر على أن يتجلى للوجود أنى شاء، ولكنه تعالى لا يتجلى له وذلك كيما يكون لهذا الوجود أن يكون فلا يزول. والله تعالى سيتجلى للوجود يوم القيامة فيزول هذا الوجود ولا يبقى منه شيء.
ولو أن الله شاء لجعل قرآنه العظيم يتجلى لنا بوجهه الحقيقي فنتلاشى ولا يبقى منا شيء، ولكنه تعالى شاء أن تبقى علاقتنا به قائمةً على أساسٍ من التدبُّر (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد)، أو الإعراض (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (30 الفرقان).
وحدهم عباد الله المطَّهرون من بمقدورهم أن يستشعروا ما انطوى عليه قرآن الله العظيم من حقيقةٍ مغيبةٍ توارت من وراء الحجاب الذي أسدله الله تعالى عليه، وذلك لأنهم وحدهم من بمقدورهم أن يمسُّوا هذا القرآن فيتبيَّنوا حقيقته الإلهية هذه (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم. فِي كِتَابٍ مَكْنُون. لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (75 -80 الواقعة).
