الوجود كتابٌ إلهي اتخذناه مهجوراً!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أمرَنا الله تعالى بأن نتدبَّر قرآنه العظيم (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء). وأمرُ الله تعالى لنا بأن نتدبَّر قرآنَه العظيم إن نحن لم نلتزم به، فنعمل جاهدين على قراءة آياته الكريمة بتدبُّرٍ وتفكُّر وإعمال عقلٍ وقلب، فلن يكون لنا أن نقع على ما جاءنا به هذا القرآن من حقائق يريدنا الله تعالى أن نحيط بها فيكون لنا بذلك أن نحظى بخير الدنيا والآخرة.

ولقد خلق الله تعالى الوجود وجعله واحداً من كتبه الإلهية. ولقد كفل الله تعالى لمن يقرأ آيات كتاب الوجود أن يتثبَّت من كل ما جاءته به كتبه الإلهية التي أنزلها على رسله الكرام عليهم السلام. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه إذا ما نحن تدبَّرنا بعضاً من آيات القرآن العظيم التي يتبيَّن لمتدبِّرها أن الوجود يتكفَّل بجعل المتدبِّر في آياته الإلهية البيِّنات يستقين من أن ما جاء به القرآن العظيم هو الحق الذي لا يماري فيه إلا الجُهال أو الذين في قلوبهم مرض: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون) (185 الأعراف)، (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (185 الأعراف)، (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُون) (101 يونس)، (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (19 -20 العنكبوت)، (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (99 الأنعام)، (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج) (6 ق)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (5 -7 الحج)، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (7 -9 الشعراء).

ثم أن كتاب الوجود بوسعه أن يُعين متدبِّره على أن يرى فيما بثَّه الله تعالى فيه من آياته البيِّنات براهين وأدلة على أن ما أخبر به القرآن العظيم من أنباء من سبقنا هو الحق الذي يشهد لهذا القرآن بأنه من عند الله تعالى حقاً: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (11 الأنعام)، (وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين) (86 الأعراف)، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم) (من 109 يوسف)، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (69 النمل)، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) (من 42 الروم)، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (من 44 فاطر).

وبذلك يتبيَّن لنا أن العاقلَ الحصيف هو مَن انكب على قرآن الله العظيم يتدبَّر آياته الكريمة، وانشغل بكتاب الوجود يتدبَّر ما بثَّه الله تعالى فيه من آياتٍ كريمات. فلا يعقل أن يكون كل حظ الوجود منا أن ننشغل بوقائعه وظواهره وأحداثه انشغالاً لا ينجم عنه إلا هذا الذي بين أيدينا من علمٍ ظاهري بقوانينه التي بثَّها اللهُ تعالى فيه وسلّطها عليه كيما يتسنى لهذه الوقائع والأحداث والظواهر أن تحدث! فكتاب الوجود قادرٌ على أن يرفد متدبِّره بكل ما من شأنه أن يجعله مستيقناً من صدق ما جاءه به دين الله تعالى من حقائق ذات صلة بظاهر هذا الوجود وبباطنه وبالوجود الذي سيجيء به الله تعالى يوم القيامة.

أضف تعليق