بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

خلقنا الله تعالى للآخرة ولم يخلقنا لهذه الحياة الدنيا حتى يكون لنا أن نسرح فيها ونمرح ونحن غافلون عما ينتظرنا يوم القيامة من حسابٍ عسير وعذابٍ إليم إن نحن لم نحيَ هذه الحياة الدنيا بقلوبٍ غير منشغلة عن الآخرة. ولأن الإنسان عسيرٌ عليه أن يخالف عما تأمره به نفسه ويزيِّنه له هواه، فإن انشغاله عن الآخرة بهذه الحياة الدنيا كان أمراً لا مناصَ منه ولا محيص عنه.
ولقد بلغ انشغال الإنسان بدنياه حد قراءته دين الله تعالى قراءةً يصر بموجبها على التغافل عما اشتمل عليه هذا الدين من تذكيرٍ بالآخرة وبما يتطلبه الأمر حتى يكون الواحد فيها من الفائزين، فكان أن أثمرت هذه المقاربة الدنيوية لدين الله تعالى عن “دين” آخر تحل الدنيا فيه محل الآخرة بوصلةً ومرجعية! ومن الدلائل البيِّنة على هذه المقاربة الدنيوية لدين الله تعالى أننا قرأنا آية استخلاف سيدنا آدم عليه السلام في الأرض قراءةً خرجنا بموجبها بنتيجةٍ مفادها أن الله تعالى خلق الإنسان واستخلفه في الأرض ليعمرها! وهذا أبعد ما يكون عن الحق والحقيقة، وذلك لأن الله تعالى إذ جعل آدم في الأرض خليفة، فإن هذه الخلافة لم يكن لها أن تكون قدر الإنسان، وبالمعنى الذي يكون الإنسان بموجبه خليفةَ الله في الأرض! فالإنسان خُلق للآخرة، وهذا هو قدره الآدمي الذي فُرض عليه مذ ذاق أبواه الثمرة التي نُهيا عنها. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتذكُّرنا ما حدث بُعيد تلك الأكلة المحرمة والذي وثَّقته آياتُ القرآن العظيم التالية: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (36 -39 البقرة).
فالإنسان لم يعد إلى الأرض التي منها خلقه الله تعالى ليمارس دوره خليفةً فيها كما يزعم البعض منا ممن لم يقرأوا القرآن العظيم بتدبُّرٍ وتفكُّرٍ وإعمال عقلٍ وقلب، ولكنه عادَ ليشقى ويكدح ويجتهد ويجاهد نفسه حتى يكون له إن شاء الله تعالى أن لا يعيش دنياه عيشاً ضنكاً، ولا يُحشر يوم القيامة إلى جهنم وبئس المصير.
