بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ما الذي يعنيه قول القرآن العظيم بأن الله تعالى استوى على العرش من بعد فراغه من خلق السموات والأرض وما بينهما؟
كنت قد تحدثت في منشوراتٍ سابقة عن هذا العالم الذي يتواجد فيه الله تعالى بكثافةِ تواجدٍ تؤمِّن للعالم وجوده وتكفل له استقراره. فهذا العالم ما كان له أن يكون، ولا أن يبقى، دون هذا التواجد الإلهي اللطيف الخفي فيه. وهذا العالم سيزول ويتلاشى عندما يتجلى الله تعالى له يوم القيامة. وهذا التجلِّي الإلهي هو ليس إلا ازدياد في كثافة التواجد الإلهي فيه، وبما يجعل من مادة العالم يحل بها ما حل بجبل سيدنا موسى عليه السلام عندما تجلى الله تعالى له (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) (من 143 الأعراف).
إذاً خلق الله تعالى السموات والأرض وما بينهما ثم استوى على العرش، وذلك بأن كان لله تعالى فيهما من تواجده ما كفل لهما البقاء. وبذلك استقرت السموات والأرض بهذا التواجد الإلهي اللطيف الخفي فيهما إلى حينٍ مأجولٍ بأجل قدوم يوم القيامة حيث سيزول كل شيء ولا يبقى إلا وجه الله تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (26 -27 الرحمن). وعالمنا المخلوق هذا هو عالم كرسي الله تعالى، ويفصله عن عالم عرش الله تعالى حجابٌ عرَّفنا به قرآن الله العظيم بأنه “أقطار السموات والأرض”، وذلك في الآية الكريمة (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (33 الرحمن).
إن استواء الله تعالى على العرش هو الذي كفل للسموات والأرض أن يكون لهما وجود. فلولا أن الله تعالى استوى على العرش لزالت السموات والأرض جراء فرط التواجد الإلهي فيهما.
ولقد جاءنا القرآن العظيم بخبر هذا الاستواء الإلهي على العرش في ستة مواطن هي: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 54 الأعراف)، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 3 يونس)، (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 2 الرعد)، (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 59 الفرقان)، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 4 السجدة)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (من 4 الحديد).
