عهد الله والتقوى

حرص القرآن العظيم على تبيين ما لتقوى الله تعالى من عظيم قدرٍ وجليل أثر في حياة عباده المتقين، فكان أن جاءت آياتٌ قرآنيةٌ كريمةٌ كثيرة تبيِّن هذا الذي يناله المتقون من أجرٍ في الدنيا والآخرة (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) (30 النحل)، (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) (35 الرعد).

ولقد شدد القرآن العظيم على أن أعمال بني آدم التعبدية لن تُكتب لهم حسناتٍ عند الله تعالى إلا إذا ما كانت هذه الأعمال قائمةً على أساسٍ من تقوى الله (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (109 التوبة). فتقوى الله تعالى هي التي تصيِّر العمل حَسنةً إن هي كانت الغايةَ من وراء قيام العبد بهذا العمل. وبذلك تؤمِّن التقوى للعابد أن ينال اللهَ تعالى بتقواه هذه فيُكتَب عند الله من المتقين (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (من 37 الحج).

وتقوى الله هي التي تكفل للعبد ألا يكون من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم فحقَّت عليهم الضلالةُ فكانوا بها من المُبعَدين عن رحمة الله تعالى. ويكفي تقوى الله أنها تحول دون أن ينال عهدُ الله تعالى الظالمين الذين استحقوا بانتفاء تقواهم لله أن يحرمهم تعالى من رحمته وبركاته التي خصَّ بها سيدنا إبراهيم عليه السلام (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (73 هود)، (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين) (124 البقرة). فسيدنا إبراهيم عليه السلام كان قد اتخذ عند الله عهداً بأن يجعل اللهُ تعالى أئمة للناس من ذريته، فحدَّد الله تعالى هذا العهد بحدود التقوى فجعل عهدَه لا ينال الظالمين منهم، من الذين غابت التقوى عن أعمالهم فجاءت أعمالُهم هذه خالصةً لوجه النفس والهوى.

أضف تعليق