
لا يريد الإنسان أن يصدِّق أن الله تعالى قد أغدق عليه من نِعَمه ما لا قيام لحياته إلا بها! فالإنسان، شأنه في ذلك شأن كل كائن حي، ليس من أحدٍ يتولاه بالرزق والإنعام إلا الله (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِين) (6 هود). ولو أن الإنسان أيقن أن كل ما به من نعمة هو من الله تعالى، لما كان حظ الله منه هو هذا الذي يصر عليه الإنسان نأياً وإعراضاً عن هَدي الله وصراطه المستقيم (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (53 النحل). ولو أن الإنسان تدبَّر نِعَم الله تعالى عليه لما فارق شكره (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون) (114 النحل).
فيكفي الإنسان أن يتذكر واحدةً من أنعُم الله تعالى عليه حتى يستيقن أنه ما قدر اللهَ حقَّق قدره إذ كانت عنده هذه النعمة، شأن غيرها من النِّعَم، من المسلَّمات التي لا تتطلب منه الشكرَ الجزيل. وهذه النعمة التي غبنها الإنسانُ حقَّها ومستحقها من الشكر والامتنان هي نعمة الماء العذب الذي لولا رحمة الله بالإنسان لجعله ماءً أُجاجاً لا يروي له عطشاً (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُون. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُون. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُون) (68 -70 الواقعة). ولكنه الإنسان الذي يأبى إلا أن يكون ظالماً لنفسه فيكون غير الله تعالى عنده البدل الذي يتوجَّه إليه بالعبادة المخلصة تفرُّغاً وإخلاصاً من عند نفسه (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (50 الكهف).
فلو أن الإنسان أدرك ما يعنيه أن يكون ربُّه الله تعالى، لما كان على هذا القدر من إيثار النأي والابتعاد عن هذا الرب الذي أجزل له العطاء دونما سؤال منه! ولكنه الإنسان الذي جاءتنا سورة البقرة بمثالٍ على إيثاره ما تأمره به نفسه ويزيِّنه له هواه على ما جاءه من عند الله (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) (من 61 البقرة).
إلا أن هذا ليس هو حالنا كلنا جميعاً معشر بني آدم؛ إذ أن هناك منا مَن آثر ما جاءه من عند الله على ما تطالب به النفس ويتطلبه الهوى، فكان ما عند الله تعالى هو مأمولهم ومرتجاهم فلم يرضوا عنه عوضاً ولا بدلا. وهؤلاء هم الذين علينا أن نهتدي بهَديهم فلا نرتضي قدراً إلا ذاك الذي قدَّره الله تعالى علينا فيكون لنا بذلك أن نحظى بعيشٍ لا يكدِّره سيء الأقدار في هذه الحياة الدنيا، ويكون لنا أن ننعم في الآخرة بجناتٍ تجري من تحتها الأنهار.
