عصا موسى والتصيير الإلهي

ما الذي بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا ما جاءنا به قرآن الله العظيم من خبر عصا سيدنا موسى عليه السلام التي صيَّرها اللهُ تعالى ثعباناً مبيناً وحيةً تسعى؟ (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (17 -21 طه)، (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِين) (107 الأعراف)، (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِين) (32 الشعراء)، (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ) (من 10 النمل).

قد يظن البعض منا أن عصا سيدنا موسى عليه السلام كانت تتميز بما جعلها مؤهلةً لأن يُصيِّرها اللهُ تعالى حيةً تسعى. وهذا ظن ليس في محله، وذلك لأن ما بوسعنا أن نتبيَّنه من هذه المعجزة الإلهية لا علاقة له من قريبٍ أو بعيد بخصوصيةٍ انفردت بها هذه العصا. فاللهُ تعالى ينبؤنا بهذه المعجزة أنه قادرٌ على أن يجعل أي شيء من أشياء هذا الوجود يكون ما يريده له أن يكون. فالشيء من موجودات هذا الوجود ليس له من “وجود حقيقي”. فكل موجود من موجودات هذا الوجود لا وجود له إلا بالله. وموجودية الشيء هبة من الله تعالى أسبغها على الشيء فكان له أن يكون. وكينونة الشيء هبة مُعارةٌ من الله تعالى. والشيء ليس له من وجود حقيقي كما قد نظن ونتوهم. فاللهُ تعالى هو الذي أعطى كلَّ شيء موجوديته وكينونته، وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآية الكريمة (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (50 طه).

وعصا سيدنا موسى عليه السلام تقدِّم لنا البرهان القاطع بألا شيء هو ما نظنه ونتوهَّمه. فكل شيء من أشياء هذا الوجود هو بيد الله تعالى يصرِّفه أنى يشاء، فإن شاء أبقاه على كينونته وموجوديته التي عرفناه بها، وإن شاء صيَّره ما يشاء. ولذلك فليس لنا أن ننظر إلى أشياء هذا الوجود فنظن أنها تملك موجوديتها وكينونتها فلا تغيير بالتالي بإمكانه أن يطالها وينال منها. فالله تعالى قادرٌ على أن يتدخل في هذا الوجود تدخلاً مباشراً ينجم عنه ما ليس بمتوافق مع مظنوناتنا ومعتقداتنا وما هو متعارض ومتناقض بالنتيجة مع ما يقول به العلم من أن الشيء باقٍ على شيئيته فلا قدرةَ لشيء آخر على أن يغيِّر منها وبما يجعل من الشيء يفقد هذه الشيئية المميِّزة له فيحيل المادة الجامدة مادةً حية مثلاً! وهذا الظن من جانبنا لا يتَّفق مع ما جاءنا به القرآن العظيم الذي لا يعنيه على الإطلاق أن يكون هذا الذي جاء به من عند الله تعالى متوافقاً مع ما يقول به العلم ويقضي من إمكاناتٍ واستحالات!

إذاً تخبرنا عصا سيدنا موسى عليه السلام الشيء الكثير وليس مجرد أنها العصا التي حوَّلها اللهُ ثعباناً مبيناً. ومما تقوله لنا هذه العصا إن اللهَ قادرٌ على أن يُصيِّر أيَّ شيءٍ في هذا الوجود ما يشاء، وإن لا شيء يملك أن يكون موجوداً إلا بالله، وإن موجودية أي شيء هي بيد الله فإن شاء أثبتها على ما هي تُعرف عادة به وإن شاء صيَّرها فجعلها أيَّ شيء آخر.

وبذلك يتبيَّن لنا أن عصا سيدنا موسى عليه السلام قد جاءتنا بالبرهان القاطع بأن لا موجود هناك بحق في هذا الوجود إلا الله تعالى الذي يُصيِّر الأشياء أنى شاء وهو الذي لا يصيِّره شيء.

أضف تعليق