
ما هي العلة من وراء افتتان الإنسان بالجِنان غاباتٍ وأشجاراً وأزهاراً؟ إن هذه العلة لا يمكن على الإطلاق أن تكون غير ذات صلة بماضي الإنسان السحيق وبمستقبله الآخروي المحتمل. فالله تعالى خلق سيدنا آدم عليه السلام وجعله في الأرض خليفة ثم أسكنه الجنة (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف). صحيح أن الإنسان لم يُكتب له ويُقدَّر أن يبقى في تلك الجنة الفضائية إلا قليلاً، إلا أن هذه الجنة قُدِّر لها أن تطبع آثارها داخلاً من جيناته فكان أن أصبح الإنسان متيَّماً بكل ما يُذكِّره بما كان عليه الحال يوم كان يسرح في الجنة ويمرح.
وإذا كان لماضي الإنسان في الجنة هذا الأثر الممتد إلى حاضره، والمتجلِّي في عشقه لكل ما يذكِّره بذلك الماضي، فإن لمستقبله الآخروي المحتمل امتداداً إلى حاضره لا يقل تأثيراً عن ماضيه الآدمي في تلك الجنة التي لم يبقَ فيها إلا قليلاً. فالإنسان “مؤهَّل” لأن يُخلَّد في جنات عدن. وهذا “التأهيل” بوسعه أن يجعل منه من أصحاب الجنة إن هو اتَّبع هَدي الله تعالى بالجد والاجتهاد إيماناً بالله وعملاً صالحاً.
إذاً لا يمكن لنا أن نفقه علة افتتان الإنسان بجِنان الدنيا دون أن نعود القهقرى إلى ماضيه السحيق حيث كان أبواه يعيشان في جنةٍ يُذكِّره بها شجرُ دنياه وزهرُها، كما لا يمكن لنا أن نستبعد ما لجنات الآخرة من حضورٍ في لاوعيه وهو المؤهَّل بالإمكان لأن يكون من أصحاب الجنة.
