كيدُ الله المتين

انتهيتُ في المنشور السابق إلى أن لله تعالى مكراً يُبطِل به مكرَ إعدائه فيذهب به أدراج الرياح. وهذا المكر الإلهي هو من تقنيات تدخُّل الله تعالى في سير أعمال الوجود تدخلاً مباشراً يعطِّل به الأسبابَ التي خلقها فسلَّطها على هذا الوجود، وذلك ليقضي الله أمراً كان مفعولاً فينصر أولياءه ويهزم أعداءه، والله على كل شيء قدير. ومكرُ الله تعالى هذا يشتمل على كيدٍ إلهي لا قِبل لأعداء الله به (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (183 الأعراف)، (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا. فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (15 -17 الطارق).

ويخطئ مَن يظن أن الله تعالى ليس بقادرٍ على أن يتدخل تدخلاً مباشراً في سير أعمال الوجود فيغيِّر من وقائعه وأحداثه ما يتطلبه الأمر حتى ينجز وعده لأوليائه فينصرهم على أعدائهم بهذا التدخل الإلهي اللطيف الخفي. فاللهُ تعالى أنبأنا في قرآنه العظيم أنه كادَ لأنبيائه وأوليائه كيداً متيناً نجم عنه ما لم يكن بحسبان أعدائهم الذين باغتهم نصره وفتحه وفرجه فأتى على مكرهم وكيدهم فلم يُبقِ لهم من ائتمارهم شيئاً.

ولقد جاءتنا سورة يوسف بخبر كيد الله تعالى لسيدنا يوسف كيداً مكَّنه عليه السلام من تحقيق مُراده ومن الوصول إلى مُبتغاه، الأمر الذي لم يكن ليتحقق لولا هذا الكيد الالهي المتين (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (76 يوسف).

لقد خلق الله تعالى الوجود وسلَّط عليه أسباباً تكفَّلت بتسيير وقائعه وأحداثه دون أن يكون هناك من ظهور له تعالى تشير إليه هذه الوقائع والأحداث. وهذا هو ما بمقدورنا أن نتبيَّنه آثاراً وتجلياتٍ لإسم الله تعالى “الباطن”. فالله باطنٌ متوارٍ من وراء حجاب ما سلَّطه من أسبابٍ على الوجود فكان له أن تسير وقائعه وأحداثه وظواهره وفق ما قضت إرادة الله وشاءت مشيئته تعالى. وهذا الوجود بيد الله تعالى، وهو إن كان مسيراً بالأسباب التي سلَّطها اللهُ تعالى عليه، فإنه ليس بمُعجز الله الذي إن شاء تجلَّى وظهر بمَكره وكيده فكان لإسمه “الظاهر” في هذا الوجود من الآثار والتجليات ما لا يمكن أن تُعزى لغيره تعالى؛ فهي آياته البينات ومعجزاته التي لا قدرة لعقلٍ على أن يُعلِّل لها بأسباب عالم الحجاب ولا أن يأتي بمثلها متذرعاً بهذه الأسباب.

أضف تعليق