
“الله حي”؛ ولا أدل على أن الله حي من أنه تعالى قادرٌ على أن يتفاعل مع الوجود أنى يشاء وذلك بأن يتدخل تدخلاً مباشراً في سير أعمال هذا الوجود. فالوجود مستقر بسببٍ من كل تلك الأسباب التي خلقها الله تعالى وسلَّطها عليه قوانين لا قدرةَ لهذا الوجود على مخالفتها والحيود عنها. وهذه الأسباب التي تكفل للوجود استقراره واستمراره إلى حين هي حجابٌ يتوارى الله تعالى من ورائه بتدخله غير المباشر في سير أعمال هذا الوجود. ولذلك كان “حجاب الأسباب” هذا هو ما جعل من الجُهال يظنون أن ليس هناك من علة من وراء هذه الأسباب تمدها بالطاقة اللازمة لكي تفعل هذه الأسباب فعلها في الوجود! واللهُ تعالى قادرٌ أنى يشاء على أن يعطِّل ما شاء من أسباب عالم الحجاب هذا، والذي نشير إليه بأنه الوجود، وذلك بتدخله تدخلاً مباشراً في سير أعمال هذا الوجود.
ومن تقنيات هذا التدخل الإلهي المباشر في سير أعمال الوجود هو ما أشار إليه القرآن العظيم بأنه “مكر الله”. فالله تعالى يتدخل تدخلاً إلهياً مباشراً في سير أعمال هذا الوجود بمَكرِه الإلهي، والذي بمقدوره أن يبدد ويشتت ويُجهِز على مكر كل مخلوق وإن كان هذا المكر لتزول منه الجبال (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) (46 إبراهيم).
ولقد حرص القرآن العظيم على تذكيرنا بما لمكر الله تعالى من سيادةٍ وتسلُّط على هذا الوجود، وذلك حتى لا يذهب بنا الظن ولا يقودنا الوهم إلى تصور أن هذا الوجود بعيدٌ عن أن تناله يد الله تعالى بالتغيير والتصيير فيكون لمكر غير الله أن يفعل فيه ما يشاء أصحابه فيكون لهم ما يريدون! فالله تعالى أنبأنا بأنه خير الماكرين، وأن لا مكر هناك على الإطلاق بمقدوره أن يقف في وجه مَكره الإلهي وذلك طالما كان اللهُ تعالى الغالبَ على أمره بمَكره هذا. فيكفينا أن نتدبر ما جاء به القرآن العظيم من آياتٍ كريمة يبيِّن تدبُّرُها ما لمكر الله تعالى من تسلُّط وسيادة على هذا الوجود: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (54 آل عمران)، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (من 30 الأنفال)، (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (50 النمل)، (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (99 الأعراف)، (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) (من 21 يونس)، (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) (من 42 الرعد).
