حجاب الأسباب

لله تعالى حجابٌ من أسباب خلقها فسلَّطها على الوجود كيما يتسنى لكل ما يحدث فيه من وقائع وأحداث وظواهر أن تحدث. والله تعالى متوارٍ من وراء هذا الحجاب فلا يُشعِر به أحداً من خلقه الذين ظنوا أن هذه الأسباب هي ما يكفل لأحداث الوجود أن تحدث فلم يدر بخلدهم أن من توارى من وراء حجاب الأسباب هذا هو الله تعالى الذي ما كانت هذه الأسباب أن تفعل فعلها في الوجود لولا مدده اللطيف الخفي.

ويخطئ من يظن أن في هذا التواري من الله من وراء حجاب الأسباب هذا ما يقدح في قدرته تعالى! فالله تعالى، إذ توارى من وراء حجاب الأسباب هذا، قد كفل بهذا التواري منه أن يكون للوجود وجود. فلو أن الله تعالى تجلى للوجود دون هذا الحجاب لزال الوجود وتلاشى كما دُكَّ جبل سيدنا موسى عليه السلام بتجلِّي الله تعالى له، وكما سينهار الوجود ويزول ويتلاشى بتجلِّي الله تعالى له يوم القيامة.

والله تعالى، إذ يسيِّر الوجود بأسبابه التي خلقها فسلَّطها عليه وهو متوارٍ من وراء حجاب هذه الأسباب، قادرٌ على أن يتدخل تدخلاً مباشراً في سَير أعمال هذا الوجود دون أن يعيقه هذا الحجاب الذي هو واحدٌ من مخلوقاته فلا قدرةَ له إذاً على أن يقف في وجه تدخله المباشر.

وحجاب الأسباب هذا هو الذي جعل كثيراً من الناس يظنون ألا وجود هناك لله تعالى، وذلك طالما كانت الأسباب التي خلقها الله تعالى فسلَّطها على الوجود لتُسيِّر أعماله،هي ما ظنوا وتوهموا ألا علةَ ورائها تُمدها بالقوة والطاقة اللازمتين كيما تفعل هذه الأسباب فعلها! فكيف لا تكون هذه الأسباب إذاً حجاباً رانَ على قلوب مَن لم يدرك أن من وراء أسباب الوجود رباً خالقاً قادراً متحكماً في كل تفصيلة من تفصيلات هذا الوجود؟!

ولمن يظن بالله تعالى غير الحق، ظن الجُهال، فيتوهم هذا الحجاب شيئاً آخر غير الذي هو عليه من قيامٍ على أساسٍ من هذه الأسباب التي تكفل للوجود وجوده، أتوجه بآيات “الحجاب” التي جاءنا بها قرآن الله العظيم علَّه يتبيَّن بتدبُّرها ما هو عليه من خطأ جسيم إذ ينظر إلى حجاب الأسباب الذي يتوارى الله تعالى من ورائه فيراه حجاباً كذاك الذي لا يعرف غيره حجاباً: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (51 الشورى)، (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ) (46 الأعراف)، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) (5 فصلت)، (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) (45 الإسراء)، (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا) (17 مريم)، (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) (من 53 الأحزاب)، (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (32 ص).

أضف تعليق