
يُخطئ من يظن أن اختيار الله تعالى لكلمات القرآن العظيم تحدده قواعد حاكمة لابد وأن تجيء هذه الكلمات منضبطةً بأحكامها. فاللهُ تعالى له الحرية المطلقة في اختيار ما يشاء من كلمات للتعبير عن المعنى القرآني دون أن يكون هناك من اضطرار تُمليه القواعد اللغوية التي تواضعنا على الأخذ بها في صياغتنا لما نقول نحن ونكتب. فالله تعالى إن شاء وظَّف كلمةً ما وإن شاء جاء بكلمةٍ أخرى مرادفةً لها في المعنى لتؤدي الوظيفة ذاتها فيتبيّن المعنى القرآني بهذه الكلمة أو بمرادفتها، والأمر كله لله وليس لنا أن نقارب قرآنه العظيم وفقما يقضي به ما تواضعنا عليه من أحكام لغوية وقواعد.
وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى كلمات هي: “يجتبي” و”يصطفي” و”يختار”، والتي تجلَّت في القرآن العظيم بذات المعنى دون أن يكون هناك من خصوصية لواحدة من هذه الكلمات الثلاث على مرادفاتها. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية:
(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (75 الحج)، (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) (من 179 آل عمران)، (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك) (من 6 يوسف)، (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (من 13 الشورى)، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (من 68 القصص)، (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون) (132 البقرة)، (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (33 آل عمران)، (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) (من 59 النمل)، (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (4 الزمر)، (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (247 البقرة)، (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (42 آل عمران)، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (120 -121 النحل)، (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (122 طه)، (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (من 78 الحج)، (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (50 القلم)، (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) (47 ص).
