الله الواحد القهار

طالبَ سيدُنا يوسف عليه السلام صاحبَي سجنه بأن يفاضلا بين أربابٍ متفرقين والله الواحد القهار (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (39 يوسف). ولقد التجأ سيدنا يوسف عليه السلام إلى العقل الذي لابد وأن يخلُص إلى أن الله الواحد القهار أفضل من هؤلاء الأرباب المتفرقين الذين ذكر القرآن العظيم في موطن آخر منه ما كان سيكون عليه حال الوجود فيما لو أنه كان مقسَّماً بين هؤلاء الأرباب المتفرقين (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (91 المؤمنون).

إذاً فالعقل لابد وأن ينتهي إلى وجوب الإقرار بألا مناصَ له ولا محيص من الإيمان بأن لا إلهَ هناك في الوجود إلا إلهٌ واحد، وأن الإشراك بهذا الإله الواحد يتناقض مع ما يقضي به هذا العقل ويسلِّم. ولذلك كان دين الله تعالى يستند إلى مسلَّمات وبديهيات العقل كلما أراد أن يتوجَّه إلى عقول المخاطَبين من بني آدم علَّهم يدركون ما هم فيه من تناقض مع ما يقضي به هذا العقل إذ هم يُشركون بهذا الإله الواحد الأحد.

ونحن في هذا الزمان، الذي تتنازعه آلهةٌ ضرارٌ افترضها العلم المعاصر، ما أحوجنا إلى تلك “المفاضلة اليوسفية” بين أربابٍ متفرقين والله الواحد القهار! فالعلم المعاصر شتَّت الوجود فسلَّم ناصيتَه إلى آلهةٍ افترضها قوانين تسيِّر هذا الوجود وفق أحكامها، ولو أنه أنصف لالتجأ إلى الله الواحد القهار منطلَقاً يبني على أساسٍ من الإيمان به إلهاً واحداً أحداً بنيانه النظري ومنظومته المعرفية فيكون له بالتالي أن ينظر إلى الوجود فيرى آثار وتجليات إسلام هذا الوجود أمره لله الواحد الأحد قوانين تنطق بألا إله إلا الله. فالعلم المعاصر لن يكونَ بالعصي عليه أن يتخلى عن آلهته المفترَضة ويلتجئ عوض ذلك إلى القول بأن الله الواحد القهار هو الذي يُسيِّر أعمال هذا الوجود. فالتصارع بين القول بالله الواحد القهار والقول بآلهة العلم المفترَضة لا ينبغي أن يجعلنا نصدِّق أن الأمر على هذا القدر من الصعوبة فلا نستطيع بالتالي أن نؤسس لعلمٍ جديد قائمٍ على أساسٍ من وجوب الإقرار بألا إله إلا الله الواحد القهار!

فلماذا لا نعمل جاهدين على التأسيس لهذا العلم الجديد منطلقين من القول بأن الله الواحد القهار هو الذي يسيِّر الوجود بقوانينه الإلهية التي سلَّطها عليه، والتي بإمكاننا أن نكتشفها وأن ننظر إليها لا على أنها آلهةٌ ضرار ولكن على أنها أسبابٌ لا تملك دون إمداد الله لها بالطاقة والقوة ما يجعل منها تفعل في الوجود فعلها الذي مكَّن هذا الوجود من أن يكون له وجود وبقاء إلى حين.

أضف تعليق