
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا. وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا. وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا. وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا) (32 -39 الكهف).
ليس صاحب الجنتين الذي تتحدث عنه هذه الآيات الكريمة من سورة الكهف بدعاً من البشر؛ فكثير منا إذ ينظرون إلى ما بين أيديهم من أنعُم الله تعالى عليهم لا يقولون إلا ما قال صاحب الجنتين هذا. فالنعمة عند هؤلاء باقيةٌ غير زائلة، والدنيا هي كل ما هنالك، والآخرة إن كانت آتيةً حقاً فلن يكون مصيرهم فيها إلا أحسن مما كانوا عليه في حياتهم الدنيا!
ولقد كان لصاحب الجنتين هذا صاحبٌ آمن بالله واليوم الآخر وأيقن أن الدنيا لا ينبغي أن يعيشها الإنسان كما فعل صاحبه الذي نصحه بعد أن أباد الله تعالى جنتيه بأنه كان بمقدوره أن يتفادى هذا القدر الإلهي لو أنه إذ دخل جنتَيه قال “مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ”. فما الذي كان يقصده هذا الرجل المؤمن بقوله هذا؟ فنحن بأمس الحاجة إلى تبيُّن معنى هذا القول الحكيم، وذلك حتى لا نُحرَم نعماء الله تعالى علينا بظننا أن الدنيا هي كل ما هنالك، وإن جاءتنا الآخرة فلن يكون مقامنا فيها إلا أفضل من مقامنا في دنيانا هذه.
إن ما كان هذا الرجل المؤمن يقصده هو أن الله تعالى شاء فخلق تلك الجنتين اللتين ما كانتا لتوجَدا لولا مضاء مشيئته تعالى، وأن تلك الجنتين ليس بمقدورهما أن تبقيا فلا تزولا دون إمداد الله تعالى لهما بما يكفل لهما ذلك من أسبابٍ ليس لهما أية قدرة على التحكم بها. فمشيئة الله تعالى هي التي كانت العلة من وراء وجود الجنتين، وقوة الله تعالى هي التي تكفلت بإمدادهما بأسباب البقاء. فلا قوةَ لهاتين الجنتين على أن تظلا حيتَين لولا مدد الله تعالى.
وهكذا يتبيّن لنا، بتدبُّر هذه الكلمات القرآنية الكريمة: “مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ”، أن ما بين أيدينا من نعمة الله تعالى علينا هو مما شاء الله تعالى فكان، وهذه النعمة لن يُكتب لها أن تبقى فلا تزول إلا بقوة الله تعالى التي وحدها من بمقدوره أن يمدَّها بكل ما يكفل لها أسباب البقاء.
