
للإنسان نفسٌ وهوى إن هو لم يناصبهما العداء تسلطا عليه وجعلا إرادته تتعارض مع إرادة الله تعالى. فإرادة الإنسان، إن هو لم يطهِّرها من دنس النفس والهوى، عادَ عليه ذلك بما يجعل منه ينأى عن صراط الله الذي أسلمت له سمواته وأرضينه. فالسموات والأرض سبق لهما وأن اختارتا أن تتخليا عن إرادتهما لله بإرادتهما طوعاً لا كرهاً، فكان لهما بهذا الاختيار ما جعل منهما تريدان ما سبق وأن أراده الله، فكانت إرادتهما بالتالي هي إرادة الله.
أما الإنسان، فلقد أصر على أن يُمضي إرادته بعيداً عن إرادة الله فكان أن اختار ما اختارته له نفسه واختاره له هواه. ولقد عادَ على الإنسان هذا الانصياع من جانبه لنفسه وهواه بما جعل منه أبعدَ المخلوقات عن الله، وهو الذي خُلق ليكون أقرب خلق الله إلى الله. ولذلك كانت أول خطوة صائبة يخطوها الإنسان هي تلك التي تجعل منه يعود القهقرى إلى صراط الله متخلياً عن إرادته لإرادة الله فلا يعود بعدها ذا إرادةٍ متمايزةٍ عن إرادة مولاه، فيكون بالتالي مريداً لا يريد إلا ما يريده منه الله. فالمريد هو ذلك الإنسان الذي تخلى طواعيةً عن إرادته لله، وذلك بأن أصبح يريد ما يريده منه الله. وهذا أمرٌ جلل لا يتأتى لإنسان أن يتمايز به عن عموم الجماعة الإنسانية إلا بأن يُحكِم سيطرتَه على نفسه فلا يُمكِّن منه هواه، فيصبح بالتالي ذا إرادةٍ مبرَّأةٍ من دنسهما، ويكون له عندها أن تتماهى إرادته مع إرادة الله فلا يبقى من إرادته ما يتناقض ويتعارض مع ما يريده منه الله.
لقد اختارت السموات والأرض أن تتخليا عن إرادتهما لله تعالى فتكون إرادتهما هي ما يريده لهما الله، فأصبح كل ما تقوم به السموات والأرض يذكِّر بما قاله سيدنا الخضر عليه السلام لسيدنا موسى عليه السلام (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (من 82 الكهف).
