“طَوْعًا وَكَرْهًا”

كل ما في الوجود، ومن في الوجود، يعبد الله “طوعاً وكرهاً”. وهذه حقيقةٌ من حقائق هذا الوجود ما كنا لنعلم بها لولا أن الله تعالى ذكرها في قرآنه العظيم (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) (من 83 آل عمران)، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال) (15 الرعد). فالوجود سبق وأن “اختارت” سمواته وأرضينه أن تعبدا الله تعالى طوعاً. وهذا “الاختيار الذكي” قد كفل للسموات والأرض أن يستقيم أمرهما فلا يكون هناك من فساد فيهما. فكل ما في السموات والأرض يطيع الله تعالى فلا يحيد عن قوانينه الإلهية التي تتكفل بأن تكون حركته كما سكونه وفقما قضت به مشيئة الله وشاءت إرادته. فالسموات والأرض سبق لهما وأن اختارتا ألا تحملا الأمانة التي عرضها الله تعالى عليهما، فكان لهما بهذا “الاختيار الذكي” أن تأمنا مغبة أن يكون بوسعهما أن يختارا بأنفسهما فتكون نتيجة الاختيار بعيدةً كل البُعد عن الاتفاق مع ما تقضي به إرادة الله تعالى إن كان هذا الاختيار موافقاً لما يقضي به “هواهما”. ولكن السموات والأرض بذلك “الاختيار الذكي” ما كان أن يكون لهما هوى. وهذا ما يبيِّنه تدبرُ الآية الكريمة 11 فصلت (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).

فالهوى هو ما جرَّه الإنسان على نفسه وذلك باختياره أن يحمل الأمانة ظلماً وجهلاً (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 الأحزاب). فالإنسان لن يكون عابداً لله تعالى كما تعبده سمواته وأرضينه. فهو إن “اختار” أن يعبد الله تعالى، فيخالف بذلك عما يأمره به هواه، فعبادته لن تكون إلا كَرهاً، وذلك بأن يُكره نفسه على ما لا تحب ويُقسِر هواه على ما يكره. ولذلك كانت عبادة الإنسان والجان عبادة إكراهٍ للنفس وذلك مقارنةً بعبادة السموات والأرض اللتين اختارتا أن تكون عبادتهما هذه عن إطاعةٍ منهما لله. فالنفس، كما الهوى، لا نزوع لها لأن تعبد الله إلا بالقسر والإكراه. وليس في هذا ما يعيب إذ أن الله تعالى ذكر في قرآنه العظيم أنه يُعبَد طوعاً وكرهاً.

أضف تعليق