الحنان اللدني والعلم اللدني

يختص الله تعالى برحمته من يشاء من عباده. وهذا الاختصاص الإلهي يتجلى صنوفاً شتى. ومن صنوف تجلِّيات هذا الاختصاص الإلهي برحمته تعالى هو ما أنبأنا به قرآن الله العظيم إذ جاءتنا سورة مريم بمثالٍ عليه وذلك في سياق حديثها عن سيدنا يحيى عليه السلام (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) (12 -13 مريم). فهذا “الحنان اللدني” هو رحمةٌ من عند الله تعالى اختُصَّ بها سيدنا يحيى عليه السلام فميَّزته بهذا الذي كان عليه من رحمةٍ بمخلوقات الله تعالى وإشفاقٍ عليهم. وهذه “الرحمة اللدنية” تذكِّر بما كان عليه سيدنا الخضر عليه السلام في تعامله مع مَن يستحق هذه الرحمة من خلق الله تعالى (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (65 الكهف). فسيدنا الخضر عليه السلام قد اختصه الله تعالى برحمةٍ لدنية وعلمٍ لدني. ولقد تجلَّت تلك الرحمة اللدنية أيما تجلٍّ في القصص الثلاث التي جاءتنا بها سورة الكهف والتي يبيِّن تدبُّرها ما كان عليه سيدنا الخضر عليه السلام من رأفةٍ بالمحتاج من الناس وعطفٍ وحنان وإشفاق لا يتأتى إلا لمن اختصَّه الله بذاك المزيج الفريد من رحمته وعلمه اللدنيين.

فسيدنا الخضر عليه السلام ما كان له أن يعلم المحتاج من الناس حتى يغدق عليه من تدخُّله ما يعود عليه بالنفع والفائدة لولا ذاك العلم الذي منَّ اللهُ تعالى به عليه من لدنه. فالرحمة الإلهية التي آتاها الله تعالى سيدنا الخضر عليه السلام من عنده هي رحمةٌ لدنية لا تختلف في مصدرها على الإطلاق عن ذاك العلم اللدني الذي علَّمه الله تعالى سيدنا الخضر عليه السلام. فمصدر تلك الرحمة وذاك العلم هو الله تعالى الذي تدخَّل تدخلاً مباشراً دون أسباب فكان أن أصبح بمقدور سيدنا الخضر عليه السلام أن يعلم ما مكَّنه من أن يكون رحيماً بالمحتاج من الناس.

وهذا الاختصاص الرباني كفيلٌ بجعلنا نتطلع إلى بذل المزيد من الاجتهاد على طريق الله تعالى وذلك لأن الله تعالى قد أنبأنا في قرآنه العظيم أنه ذو فضلٍ عظيم وأنه يختص برحمته من يشاء دون أن يقيِّد إغداقه لفضله ورحمته على أحدٍ من خلقه دون غيره. وهذا بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبرنا الآيتين الكريمتين 73 -74 آل عمران (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

أضف تعليق