“إلا” و”إلى” بمعنى

ذكرت في أكثر من منشور أن المقاربة النحوية للقرآن العظيم ليس لها بالضرورة أن يتمخَّض عنها ما يُمكِّننا من أن نفقه المعنى الذي انطوى عليه كثير من آياته الكريمة. ولذلك كان تدبُّر القرآن العظيم يتطلب منا وجوب أن نقرأ القرآن بالقرآن، ونفسِّر القرآن بالقرآن، حتى ولو كان في هذا ما يستدعي منا ضرورة ألا نُحكِّم قواعد وأحكام النحو على آياته الكريمة. فقد يُفضي بنا شديد تمسُّكنا والتزامنا بهذه الأحكام والقواعد إلى الإخفاق في الوقوع على المعنى المقصود فيجنح بنا ذلك بالتالي إلى القول بغير ما يقول به النص القرآني.

وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى مثالٍ يوضِّح لماذا كانت المقاربة النحوية لثلاثة من آيات القرآن العظيم غير قادرة على أن تبيِّن لنا المعنى الذي انطوت عليه واشتملت هذه الآيات. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (من 127 الأنعام)، (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (106 -107 هود)، (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (108 هود).

فالمقصود بالعبارة القرآنية الكريمة “إلا ما شاء الله” هو عين المقصود بالعبارة القرآنية الكريمة “إلا ما شاء ربُّك”. وهذا المقصود لا علاقة له على الإطلاق بما تؤدِّيه كلمة “إلا” كأداة استثناء وفقما تقضي به قواعد النحو وأحكامه. فـ “إلا” هنا تفيد معنى “إلى”، فيكون معنى العبارة القرآنية الكريمة “إلى ما شاء ربُّك” و”إلى ما شاء الله”. وبذلك يكون المعنى المراد منا أن نقع عليه هو أن العذاب يوم القيامة، كما النعيم، لا انتهاء له، فهو مأجول بـ “إلى ما شاء الله”، وهذا أجلٌ يتماهى مع ما نطلق عليه بلغتنا الدارجة الـ “ما لا نهاية”. فهو عذابٌ أبدي إلى أبد الآبدين، ونعيمٌ أبدي إلى أبد الآبدين كذلك.

أضف تعليق