
نخطئ إذ نظن أن الحاضر بمقدوره أن يقدم لنا من الأسباب ما هو كفيلٌ بالتعليل لما يحدث فيه من وقائع وظواهر وأحداث! فكثيرٌ مما يحدث في الحاضر لا قدرة لهذا الحاضر على أن يقدِّم لنا ما من شأنه أن يُعين على التعليل لهذه الوقائع والأحداث والظواهر التي تحدث فيه. وهذا يُلزمنا بضرورة أن نعود القهقرى إلى الماضي نتلمَّس أسباباً هي العلة من وراء وقائع وأحداث وظواهر الحاضر.
صحيحٌ أن العلة من وراء حدوث كثير مما يحدث في الحاضر بوسعنا أن نقع عليها في هذا الحاضر إلا أن طائفةً غير قليلة من أحداث هذا الحاضر لا سبيل هناك على الإطلاق للوقوع على علَّتها إلا بهذه العودة منا إلى الماضي الذي منه امتدت إلى حاضرنا هذا يد هذه العلة. ولعل أعظمَ أحداث الحاضر طراً هي “حادثة الإنسان” التي جعلت منه ظاهرةً تخفق كل مقاربةٍ بالتسبيب والتعليل لمفرداتها بالاقتصار على ما للحاضر من أسبابٍ وعلل نتوسَّلها كيما يكون بمقدورنا أن نفسر غوامض ومبهمات هذه الظاهرة. ولذلك فليس هناك من سبيل أمامنا غير أن نقفل عائدين إلى ماضٍ سحيق، تضرب ظاهرة الإنسان هذه بجذورها عميقاً فيه، فنُمكَّن بالتالي من الإمساك بتلابيبها والوقوع على ما حدث في ذلك الماضي السحيق فجعل من الإنسان ظاهرةً تستعصي على كل مقاربةٍ تقصر أنظارها على حاضره فحسب.
ونحن إذا ما تفحَّصنا ماضي الإنسان بحثاً عن العلة من وراء ما يحدث في حاضره، فليس هناك مَن بوسعه أن يُمكِّننا من تدبُّر ما حدث له في ذلك الماضي السحيق غير النص الديني. فهذا النص، بتعاليه على الزمان، ولكون مصدره غير محدود بمحدِّدات الزمان والمكان، قادرٌ على أن يجيئنا بما يُعين على فقه العلل والأسباب التي تظافرت فشكَّلت ظاهرة الإنسان وكانت المسبِّب لكل ما هو غامضٌ من مفرداتها. فيكفينا أن نستذكر رحلة الإنسان، كما بيَّنها جليَّةً قرآن الله العظيم، من تراب هذه الأرض إلى جنته تعالى، وما حدث له فيها من بعد أكله من شجرتها التي نهاه اللهُ تعالى عنها، وعودته ثانيةً إلى هذه الأرض وهو يحمل في جيناته العلة التي جعلت من ماضيه وحاضره ومستقبله تكتب تلك الأكلة المحرمة صفحاتها.
