يد المستقبل إذ تعمل في الحاضر

ما كنا لنعلم أن هذه الحياة الدنيا منتهية بآخرةٍ لا نهايةَ لها لولا أن الله تعالى أنبأنا بما سيؤول إليه أمر الدنيا من بعد انقضاء أجَلها بمجيء يوم القيامة. وإذا كان كثير من أحداث الحياة الدنيا لا يكفي للتعليل له أن يُصار إلى الأخذ بنظر الاعتبار عِلل وأسباب تنتمي لحاضره دون ماضيه، فإن هذه الحياة الدنيا بمجملها صنيعة مستقبلٍ آتٍ لا محالة هو ما أنبأنا الله تعالى بشأنه في قرآنه العظيم فعرَّفه بأنه “الحياة الآخرة”.

إذاً فهذه الحياة الآخرة تمتد يدها من عالَم الغيب المستقبلي إلى هذا العالَم اللاغيبي لتفعل فيه ما هو مؤهِّل لمفرداته كيما يكون سيرُها ومسارُها ومساقُها مُفضٍ بها إلى الآخرة. وهذه الحياة الدنيا عاجزةٌ عن أن يكون بمقدور مفرداتها أن تعلِّل لهذا الذي يحدث فيها فيجعل منها تتجه بهذه القوة الجامحة صوب الآخرة. ولولا أن الآخرة تفعل في هذه الحياة الدنيا فعلها لما كان للدنيا أن تتَّجه نحو الآخرة، ولكان مستقبلها مزيداً من حياةٍ دنيا. وهذا هو عينُ ما يخبرنا به العلم الذي بين أيدينا. فهذا العلم، إذ لا يُصدِّق ما جاءنا به دين الله تعالى من أن الآخرة آتيةٌ لا ريب فيها، فإنه يُنبؤنا بأن هذه الدنيا قائمةٌ فلا زوال لها إذ هي منتهيةٌ إلى دنيا أخرى تعقبها وتجيء من بعدها كما جاءت هي بدورها من دنيا سبقتها. وهذا كله ليس بأكثر من خوضٍ في متاهاتٍ ما كنا لنتيهَ فيها لولا أننا أسلمنا قيادَنا لنفسٍ تأبى أن تصدِّق ما جاءنا به دين الله تعالى من خبر الآخرة. ولو أننا صدَّقنا ما يقول به دين الله تعالى لكان بمقدورنا أن ننظر إلى دنيانا فنرى يد الآخرة تفعل فيها ما هو متكفِّل بدفعها وزجِّها إلى يوم القيامة. فالله تعالى قد حشَّد من آيات فعل آخرته في دنيانا ما كان ليجعل منا نتبيَّن يد الآخرة فلا نخطئها.

إن حدثاً جللاً كيوم القيامة لا يمكن أن يكون أسير مستقبلٍ غيبي بعيدٍ كل البُعد عن واقعنا وحاضرنا هذا! فإذا كانت الآخرة أبديةً، كما أنبأنا بذلك قرآن الله العظيم، فإن يدها لا يمكن لها ألا تطال واقعَنا وحاضرنا فلا تفعل فيهما ما هو كفيلٌ بجعلهما يتجهان صوبها. ولذلك كان العقل الحصيف عاجزاً عن أن يتدبَّر هذه الدنيا دون أن يتبيَّن فيها ما صنعته يدُ الآخرة من صنائع تُنبئ بأنها حقٌ وبأنها آتيةٌ لا ريب فيها.

أضف تعليق