عيسى وذو القرنين وإبراهيم عليهم السلام

لأنبياء الله ورسله الكرام عليهم السلام شخصيات تتفاوت بتباين ما جُبل الواحد منهم فضلاً من الله تعالى ونعمة ورحمة واختصاصاً واصطفاء. والله تعالى أنبأنا في قرآنه العظيم بأنه فضَّل بعض النبيين على بعض (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) (من 55 الإسراء). وهذا التفضيل الإلهي يتجلى بما يجعل من بعض النبيين يُختَص بميِّزات ينفرد بها دون غيره من أنبياء الله. ومن ذلك أن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان رقيق القلب ليِّن الحاشية، وذلك بالمقارنة مع سيدنا موسى عليه السلام الذي كان سريع الغضب. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا بعضاً من آيات قرآن الله العظيم التي يتجلى فيها هذا التباين بين هاتين الشخصيتين الكريمتين: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (114)، (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (74 -75 هود)، (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) (من 150 الأعراف)، (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (154 الأعراف).

فما قام به سيدنا موسى عليه السلام وهو غضبان، من كسرٍ للألواح التي كتب الله تعالى له فيها من كل شيءٍ موعظةً وتفصيلاً لكل شيء، ومن جرٍّ لرأس أخيه سيدنا هارون عليه السلام، ما كان ليقوم به سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي لم تكن شخصيته الجليلة لتشتمل على شيء من الغضب اشتمال شخصية سيدنا موسى عليه. وليس في هذا ما يقدح أو يُشين. فتباين شخصيات النبيين عليهم السلام لم يكن ليؤثِّر سلباً على قيامهم بما كلَّفهم اللهُ تعالى به من حملٍ لرسالاته وتبليغها.

فسيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي جادل اللهَ تعالى في قوم سيدنا لوط عليه السلام، والذي بالغ في انتحال الأعذار والأسباب استغفاراً لأبيه، قد انصاع لأمر الله تعالى من بعد ما تبيَّن له الحق، فأيقن أن عذاب الله تعالى نازلٌ لا محالة بساحة قوم سيدنا لوط عليه السلام، وأن أباه عدوٌ لله يستحق منه أن يتبرأ منه.

ولقد تجلَّى هذا الذي تميَّزت به شخصية سيدنا إبراهيم من رأفةً وحنانٍ وإشفاقٍ ورحمة أيما تجلٍّ في مناجاته عليه السلام لله عز وجل في الآيتين الكريمتين (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيم) (35 -36 إبراهيم). قارن هذا بما قاله سيدنا عيسى عليه السلام (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (118 المائدة)، وما قاله سيدنا ذو القرنين عليه السلام (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) (87 -88 الكهف).

أضف تعليق