
تحدثت في منشور سابق عن الماء إذ هو تذكرة بالآخرة بعثاً للموتى يوم القيامة وبجناتها التي تجري من تحتها الأنهار. فالماء سرُّه عجيب غريب في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة. وإذا كانت دنيانا هذه لا حياة فيها إلا بهذا الماء، الذي يستصغره الإنسان إذ هو عنده من المسلَّمات التي لا تستحق منه أن يخصص لها من وقته “الثمين” دقائق يتدبر خلالها ما يمثِّله هذا الماء من نعمة لولاها ما كانت لتنشأ هذه الحياة البايولوجية ولا لتبقى، فإن هذا الماء عينه هو مفتاح تذكُّرنا ليوم القيامة الذي لا ينبغي لعاقلٍ حصيف أن يغفل عنه لحظة وهو اليوم الذي سنتفرَّق فيه فمنا من سيخلَّد في الجنة ومنا من سيخلَّد في النار. والعجيب الغريب أن الله تعالى قد خلق لنا ما يذكِّر بهذه النار الأبدية التي لن ينطفئ سعيرها إذ جعل نار الدنيا تذكرةً بنار الآخرة. فالنار التي خلقها الله وجعلها نعمةً مغبونٌ فيها كثيرٌ من الناس، شأنها في ذلك شأن غيرها من نِعمه وأنعُمه ونعمائه، قد جعلها تعالى هي الأخرى تذكِّر قلَّة منا بنار الآخرة، وهذه القلة هم المتقون الذين كلما تدبَّروا هذه النار ذكَّرتهم بالنار التي أمرهم الله تعالى بأن يتَّقوها وبأن يقوا أهليهم إياها. فنار الدنيا لا ينبغي أن ينظر إليها العاقل الحصيف فلا يرى فيها ما يجعل فرائصه ترتعد لهول ما ستكون عليه نار الآخرة التي تذكِّره هذه النار الدنيوية بها. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا ما جاءتنا به سورة الواقعة بشأن ما ينبغي أن يكون عليه حالنا ونحن ننظر إلى نار الدنيا فنراها مذكِّرةً بنار الآخرة، هذا إن نحن كنا حقاً من المُقوين المتقين (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُون. نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) (71 -73 الواقعة).
