
يظن كثيرٌ من الناس أن أرواح الموتى لها أن تتواصل مع الأحياء، وأن هذا التواصل يتخذ سبلاً وطرقاً منها ما يتجلى في الرؤى والأحلام، ومنها ما يحدث فيما يسمى بـ “جلسات تحضير الأرواح”. ولقد سبق وأن تحدثت في منشورات عدة عن بطلان هذا الزعم، وبيَّنتُ أن أرواح الموتى لا يمكن لها على الإطلاق أن تتواصل مع الأحياء من بني آدم، وذلك لأن هذه الأرواح محفوظة في كتاب يفصل بيننا وبينه برزخ، وذلك كما أخبرنا قرآن الله العظيم. و”البرزخ” كلمةٌ قرآنيةٌ كريمة وردت في قرآن الله العظيم ثلاث مرات: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (99 -100 المؤمنون)، (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) (53 الفرقان)، (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) (19 -20 الرحمن).
وإذا كان يعز علينا أن نفقه ماهية هذا البرزخ الفاصل بين عالم الأحياء من بني آدم وعالم الأرواح، فإن الله تعالى قد بيَّن لنا في قرآنه العظيم ما بوسعه أن يُعيننا على أن نتبيَّن ما يقوم به هذا البرزخ من حجبٍ وفصلٍ بين هذين العالَمين وذلك بتوجيه أنظارنا إلى ما بين أيدينا من مثالٍ واقعي لبرزخٍ قائمٍ بين الماء العذب والماء المالح وهو ما قد بيَّنته جلياً الآيتان الكريمتان الواردتان أعلاه؛ فلا تداخل ولا امتزاج ولا تواصل ولا تفاعل بين ماء البحرين العذب الفرات والملح الأُجاج. وهكذا فلا تواصل هناك على الإطلاق بين عالمنا نحن الأحياء من بني آدم، وعالم الأرواح. وكل تواصل يُزعَم أنه قائمٌ بين هذين العالمين إنما هو في حقيقته تواصلٌ بين عالمَي الإنس والجن. وهذا التواصل قد فصَّلته وبيَّنته سورة الجن التي يتبيَّن لمتدبِّر آياتها الكريمة أن هناك تواصلاً بين الإنس والجن، وأن هذا التواصل قد أخفق كثيرٌ من الناس في مقاربته على ما هو عليه حقاً وحقيقة فظنوا وتوهموا أنه تواصلٌ بيننا وبين مَن فارقنا من بني جلدتنا نحن البشر.
