
انتهيت في المنشور السابق إلى أن الإنسان هالكٌ لا محالة إن هو لم يجرِّد نفسه من إرادتها فتنطفئ بذلك نارُها ويخمد سعير هواها. فالنفسُ إن لم يجرِّدها الإنسان من إرادتها قادرةٌ على أن تورده مورد الهلاك، وذلك لأنها ستجعل منه يتَّبع خطوات الشيطان بهذا الذي جُبلت عليه من تكبُّرٍ وخُيلاء وغُرور. فالإنسان، إن هو لم يسِر على طريق الله تعالى، هو مجرد كيان يسري في عروقه الغُرور. وبذلك يكون هذا الإنسان فرداً من حزب الشيطان الذي لا يحتاج من الإنسان حتى يكون واحداً من أوليائه غير أن يكون على سجيته وجِبلته وطبيعته متكبراً مغروراً. ولذلك كان غُرور الإنسان هو كل ما يتطلبه الأمر حتى يُضَل فلا يهتدي إلى الله. ولذلك أيضاً كانت هذه الحياة الدنيا متاع الغرور، إذ هي المدة من الزمان التي سيعيشها الإنسان المغرور مغتراً بها وهو لا يريد أن يصدِّق أنها لابد وأن ينقضي أجلها بانتهاء أجله.
ولقد حرص القرآن العظيم على أن يجتذب انتباه متدبِّره إلى هذه العلاقة الوثيقة بين الإنسان المغرور بهذه الحياة الدنيا وبين الشيطان الذي سبقه إلى الاغترار بنفسه وهواه فاستحق بذلك أن يسمِّيه الله تعالى بـ “الغَرور”. فإذا كان الإنسان، المغرور بهذه الحياة الدنيا المنتهية لا محالة بمجيء يوم القيامة، قد اختار مصيره وقدره بهذا الاغترار منه بهذه الحياة الدنيا فاستحق أن يذكره القرآن العظيم في آيتين كريمتين: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (185 آل عمران)، (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (20 الحديد)، فإن اغتراره هذا لابد وأن يجعل منه واحداً من أولياء الشيطان وفرداً من أفراد حزبه، وذلك طالما كان الشيطان قد استحق من قبلُ أن يسمِّيه الله تعالى بـ “الغَرور”. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) (من 33 – من 34 لقمان)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (5 -6 فاطر)، (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور) (من 14 الحديد).
