المُريد يريد ما يريدُه الله

حملنا الأمانةَ ظلماً وجهلاً فأصبحت لدينا إرادة بها حياةُ النفس وبها يحيا هواها. فما الإنسان إلا نفسه وهواه وإرادته التي هي عنوان هذه النفس وماهية هذا الهوى. ولو أنك جرَّدتَ الإنسان من إرادته لأصبح أسير إرادتك وطوع هواها. أما إن قام الإنسان هو بذاته بتجريد نفسه من إرادة هواها لجعله ذلك مريداً لا يريد إلا ما يريد الله. وهذا أمرٌ ليس باليسير القيام به طالما كانت النفس تمسك بالإنسان ويُعينها على ذلك هواه. ولذلك أيضاً كان قيام الإنسان بتجريد نفسه من إرادتها عملاً يتطلب منه أن يسير على طريق الله تعالى منضبطاً بضوابط هذا الطريق ومحدداته فلا يحيد عنها قيد أنملة. فالإنسان جُبل على أن يريد هذه الحياة الدنيا التي لا تعدم وسيلةً لجعله مفتوناً بزينتها وزخرفها وبهرجها. ولذلك كان تجريدُ الإنسان نفسَه من إرادتها أمراً عسيراً ليس باليسير. فالنفسُ لن تدع الإنسان يشرع بتجريدها من إرادتها دون أن تقاتله دفاعاً عما تظنه ملكاً لها. ولذلك كان قيام الإنسان بتجريد نفسه من إرادتها يتطلب منه أن يستعين على ذلك بمدد من الله يكفله له هذا السير على طريقه تعالى. فهذا السير كفيلٌ برفده وتزويده بطاقةٍ هي وحدها ما يكفل له أن يكون بمقدوره أن يجرد نفسَه من هواها فيصبح بالتالي بلا إرادة تجنح به عن جادة الله بعيداً في متاهات النفس وفِجاج الهوى.

فالله تعالى أخبرنا في قرآنه العظيم أن منا مَن يريد الدنيا ومنا مَن يريد الآخرة (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (من 152 آل عمران). فأولئك الذين يريدون الآخرة هم تلك القلة التي آثرت أن تتخلى عن إرادتها لإرادة الله تعالى بإرادتها فلا تبقى للواحد منهم إرادة تريد غير ما يريد الله. وهذا ما أكَّده قرآن الله العظيم بقوله تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَة) (من 67 الأنفال). فالسائر على طريق الله تعالى هو من يريد الآخرة التي يريدها الله، ولا يريد عرَض الدنيا التي لا يريدها إلا من أسلم قياده لنفسه وهواها.

إذاً فلابد لك من أن تتخلى عن إرادتك، التي هي جِماعُ ما تريده نفسك وما يزيِّنه لك هواها، فتصبح بلا إرادةٍ تنأى بك عن الله. ولا يكون لك هذا إلا من بعد أن تستيقن أن تخلِّيك عن إرادتك سيجعلك تستقبل “إرادةً جديدةً” تجعلك تريد ما يريده الله تعالى منك فتكون بالتالي مريداً يريد الآخرة. وهذا هو عينُ ما يريده الله.

أضف تعليق