ما أكفر الإنسان!

يجيء الكفر بمعنى يكون فيه ضديداً للشكر. وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن هذا المعنى للكفر الذي لزمه الإنسان فلم يفارقه فكان أن عادَ عليه ذلك بما جعل من حياته على هذه الأرض كلُّها شقاء وعناء. فلو أن الإنسان داوم على شكر الله تعالى لأنعمه لما كان هذا هو حال دنيانا التي تشهد صراعاتها وحروبها لهذا الإنسان أنه أبعدُ ما يكون عن الشكر لله تعالى. فانشغال الإنسان بنفسه وهواه جرَّ عليه ما جرَّه من مآسٍ وكوارث كان ليكون في غنى عنها لو أنه استعاض عن هذا الانشغال منه بنفسه وهواه بالشكر لله. فالله تعالى ما أمرنا في قرآنه العظيم بأن نداوم على شكره إلا رحمةً منه بنا، وذلك حتى لا تكون الدنيا مدار همِّنا وغمِّنا ومحور انشغالنا. فالعبد منا إن هو لزم شكر الله تعالى كان في مأمنٍ من غوائل النفس ونوازع الهوى، وذلك لأن ملازمة شكر الله تعالى تُشغل العبدَ بتدبُّر ما أنعم اللهُ تعالى به عليه. وهذا الانشغال بتدبُّر أنعم الله ونعمائه سيجعل من العبد بعيداً كل البُعد عن الانشغال بما تنشغل به عادةً الغالبية العظمى من بني آدم من معاداةٍ لبعضها البعض. ولذلك كان عزوف الإنسان عن شكر الله تعالى دليلاً على أنه من الذين كفروا بأنعُم الله. فلو أن الإنسان تدبَّر ما بين يديه من نعمة الله تعالى عليه حقَّ التدبُّر لكان في ذلك ما يجعله منشغلاً بشكر الله تعالى عن أي شيء آخر، ومن ذلك انشغاله عن أن يكون على هذا القدر من العدوانية المفرطة التي لها أن تتجلى مشاحناتٍ ومخاصمات وحسداً وغلاً كما لها أن تتجلى معاركَ وحروباً تأتي على الأخضر واليابس. والإنسان بهذا الانشغال منه عن الشكر لله تعالى يبرهن على أنه مخلوق كافر بخالقه الذي وهبه حياته وأنعم عليه بكل ما يكفل له ديمومة حياته هذه. فلقد كان يكفي الإنسان أن ينشغل بالشكر لله تعالى على واحدةٍ من أنعمه التي ليس بمقدور أحدٍ أن يحصيها، وهذه هي نعمة الماء. فشكر الله تعالى على هذه النعمة الجليلة كانت لتجعل من الإنسان يُعرض عن كل ما هو منشغلٌ به من مكرٍ وكيدٍ وغلٍّ وحسد. فشكر الله تعالى بوسعه أن يطهِّر الإنسان من هذه الآفات التي لا تريد له نفسه أن يبرأ منها، وذلك حتى يبقى أسيرها وعبدها والمتعبد لهواها.

لذلك فإن الإنسان إذا ما هو أراد أن يبرأ من آفاتِ نفسه هذه، فإن عليه أن يكون عبداً شاكراً لله أنعمه فينشغل بهذا الشكر المتواصل لله تعالى عن مجاراة الآخرين في خوضهم الأخرق بعيداً عن السير على طريق الله تعالى. فهذا الخوض لن يعود على الإنسان إلا بأن يشقى في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.

أضف تعليق