أعمال الذين كفروا

يظن الذين كفروا أنهم على شيء بما يعملون! فأعمال الذين كفروا هي عندهم ما يجعل منهم يظنون غير الحق فينظرون إلى الباطل فيرونه حقاً! وأنت إذا ما قلتَ لهم إنهم على الباطل فسوف ينبري لك الواحد منهم معترضاً بقوله إن ما يشهد له بأنه ليس كذلك هو هذا الذي تراه بأم عينك من استقامةٍ لدنياه على أساسٍ من أعماله هذه. فالدنيا ما كان لها أن تنتهي إلى هذه الحضارة التي تبهر الناظرَ إليها وتعقد لسانَه فلا يكاد يكون بمقدوره أن يتمكن من توصيف منجزاتها لولا أن أعمال أهلها، وصاحبك هذا منهم، هي مما ينبغي الاعتداد به زهواً وفخراً!

والحق أن في مظنة صاحبنا هذا شيئاً من الحق! فلو كانت الدنيا هي كل ما هنالك لما كان يحق لنا أن ننبري لأعمال أهلها بالتجريح والانتقاص فنقول إنهم بأعمالهم هذه بعيدون كل البعد عن الحق وأهله. فهذه الحياة الدنيا قد أثمرت زهرتَها بهذه الحضارة التي ليس بمقدورنا أن ننال منها فنقول عنها إنها حضارةٌ قد أُسِّس لها على باطل إلا إذا نظرنا إليها من منظورٍ يأخذ بنظر الاعتبار أنها ليست كل ما هنالك، وأن هناك آخرةً آتيةٌ لا محالة سيجعل قدومها المحتوم هذا من أعمال أهل هذه الدنيا تتجلى حقيقتها التي تبيِّنها جليةً واضحةً الآيات الكريمة التالية: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) (18 إبراهيم)، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ. أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (39 -40 النور).

فمتدبِّر هذه الآيات الكريمة الثلاث لابد وأن يكون قد تبيَّن له أن الحكم على أعمال الذين كفروا بأنها سرابٌ، ورماد اشتدت به الريح في يومٍ عاصف، أو ظلمات في بحر لُجي، لا يمكن أن يكون مصيباً إلا إذا ما كان هذا الحكم مؤسساً على حقيقة كون هذه الدنيا منتهيةً بآخرةٍ لا نهايةَ لها.

أضف تعليق