حلٌّ مُحجَّى

AddText_12-26-10.53.41.JPEG

الأحجيةُ لغزٌ عسيرٌ حلُّه، هذا إن لم يكن هذا الحل مستعصياً على كل محاولةٍ تروم جعله ميسوراً. ومن عجائب وغرائب أمور هذه الدنيا أن هناك من الحلول ما يكون واحدها أحجيةً بحد ذاته! فالحل يُرتجى منه أن يجيء بما يزيح النقاب عن الإبهام والغموض اللذين يكتنفان الأحجية لا أن يمثل هو ذاته أحجية! وهكذا حل هو أقرب إلى الأحجية منه إلى كونه حلاً. وبذلك يكون هذا الحل-الأحجية “حلاً مُحجَّى”. وخير مثال على هكذا حل، هو أقرب إلى الأحجية منه إلى الحل، الحل الذي جاءنا به دين الله تعالى لهذا الذي هو عليه الإنسان من تناقضٍ مع الطبيعة وخروجٍ على قوانينها وتناشزٍ مع غيره من مفرداتها وحيودٍ عن كل ما تتصف به من تناغمٍ واتِّساقٍ وانسجامٍ بين هذه المفردات كلِّها جميعاً. فالإنسان أُحجية يخطئ مَن يظن أن ما بين أيدينا من علم وضعي قادرٌ على أن يميط عنها لثام إبهامها وغموضها. فهذا العلم البشري أسير أوهامنا وظنوننا التي خُيِّل إلينا معها أن بمقدوره أن يجيب على كل سؤالٍ من جمهرة الأسئلة الغفيرة التي تمثِّلها الظاهرة الإنسانية بهذا الذي هي عليه من تباينٍ صارخ مع الطبيعة بظواهرها الطبيعية التي بمستطاع هذا العلم أن يعلِّل لها ويفسِّرها بكل سهولةٍ ويُسر.
وإذا كان علمنا الوضعي البشري عاجزاً عن أن يتصدى للظاهرة الإنسانية بالتعليل والتفسير لمفرداتها المُلغزة، فإن دين الله تعالى قد جاءنا بما هو كفيلٌ بجعل “ظاهرة الإنسان” ينزاح عنها نقابها وتتكشف لنا أسرارها بهذا الذي تمكنَّا بوساطةٍ منه من أن ننظر إلى إلغاز هذه الظاهرة وإبهامها فنراهما وقد سقط عنهما كل ما كان يمثِّل للناظر إليهما أحجيةً لا سبيل هناك على الإطلاق لفك رموزها. إلا أن هذا الحل الإلهي لمشكلة الإنسان، والذي جاءنا به دين الله تعالى، هو “حل مُحجّى” إذ يطالبنا بأن نقول بخِلقةٍ طينية للإنسان وبتدرُّجٍ تخلُّقي في مدارج الخلق انتهى به إلى خلافةٍ اضطر معها إلى مغادرة كوكب الأرض إلى كوكبٍ آخر هو أقرب إلى الجنة منه إلى أرضٍ أخرى، وكان عليه أن يغادرها هي الأخرى من بعد ما جرى له من أحداثٍ مع شجرةٍ من أشجارها جعله أكله منها مضطراً إلى هذه المغادرة التي حتَّمت عليه وجوب أن يعود إلى الأرض تارةً أخرى وقد أصبح محتوماً عليه أن يختار أحد السبيلين؛ فإما أن يتَّبع هدى الله فيُكتب له الفلاح دنيا وآخرة، وإما أن يُعرض فيكون من الخاسرين دنيا وآخرة.

إن حلاً كهذا الحل الذي جاءنا به دين الله تعالى لمشكلة الإنسان لا يمكن لنا أن نفترض وجوب أن يكون حلاً بسيطاً بلا تعقيد لمجرد أنه حل قد جاءنا به هذا الدين! فهذا الحل، شئنا أم أبينا، يشتمل على تعقيدٍ وينطوي على إلغازٍ لابد لنا من أن نقر بوجودهما وذلك حتى يتسنى لنا أن نتبيَّن هذه المفارقة بين مشكلة الإنسان وحلِّها الإلهي. فالمشكلة الإنسانية لا يمكن على الإطلاق أن يكون لها حل بشري وضعي فتكون بالنتيجة مشكلةً أُحجيتها بلا إلغازٍ أو غموضٍ. فالإنسان مشكلته حلُّها إلهي، وهي لذلك أُحجيةٌ حلُّها مُحجَّى هو الآخر. وبذلك تقدم مشكلة الإنسان الدليل القاطع بأن الله تعالى لابد وأن يكون موجوداً وذلك طالما كان لا حل لهذه المشكلة إلا الحل الذي جاءنا به الدين الإلهي من عند الله.

أضف تعليق