التصوف واليوم الآخر

جاءنا دين الله تعالى بالحق المبين بشأن هذه الحياة الدنيا التي لا نريد أن نصدق حقيقتها التي بيَّنها هذا الذي جاءنا به دين الله تعالى. فالدنيا عندنا هي كل ما هنالك، وإن نحن قلنا بأننا نصدق دين الله تعالى فنقول بما يقول به من أن دنيانا هذه منتهية بآخرةٍ لا انتهاء لها فإن قولنا هذا تكذِّبه أعمالنا التي تنطق بغير ما نقول به وذلك لأنها أعمال قومٍ لا تمثل الآخرة لهم إلا خيالاً ليس له أن يباري هذه الدنيا فيغلبها!

ونحن إن تدبَّرنا الكتاب الذي جاءنا من عند الله تعالى فلن يكون بمقدورنا ألا نتبيَّن ما اشتمل عليه من تبيانٍ لحقيقة الحياة الدنيا التي ستنتهي يوماً ما لا محالة، وذلك بحلول يوم القيامة الذي سيجيؤنا بآخرةٍ أبديةٍ لا نهاية لها. ولكننا لم نتدبر قرآن الله العظيم التدبُّر الذي كان ليجعل منا نتبيَّن ما انطوت عليه آياته الكريمة من تبيانٍ لهذه الحقيقة، وذلك لأننا قرأناه بعينٍ عاجزةٍ عن أن تنظر إلى هذه الدنيا فتراها على حقيقتها التي بيَّنها لنا دين الله تعالى! فالدنيا عندنا هي كل ما هنالك، وانشغالنا بها متحقق بالقلب والعقل والجوارح. وليس أدل على ذلك من هذه القراءة الدنيوية لقرآن الله العظيم. فلو أننا تدبرنا هذا القرآن كما أُمرنا، لتبيَّنت لنا حقيقة هذه الدنيا ولما انشغلنا بها عن الآخرة ولكان سعينا ومسعانا قد جعلا منا أهل آخرة لا أهل دنيا! فإذا كان الله تعالى قد أخبرنا في قرآنه العظيم أنه يريد الآخرة، فما بالنا نُعرض عما يريده الله لننشغل بعَرَض هذه الحياة الدنيا؟!

والآن أما وقد تبين لنا ما نحن عليه من انشغالٍ عن الآخرة بهذه الحياة الدنيا، فما أحوجنا إلى من يذكِّرنا بهذا الذي نحن عليه ويُعيننا بالتالي على تخطِّي أخطاءنا وتجاوزها فيأخذ بأيدينا إلى بر الأمان، وذلك بجعله إيانا نخطو الخطوة الصحيحة فنسير على طريق الله تعالى متدبِّرين قرآنه العظيم ومُدبرين عن هذه الدنيا ومتوجهين إلى الآخرة بقلوبنا وعقولنا وجوارحنا. وهذا الذي بوسعه أن يجعلنا نؤثر أُخرانا على دنيانا هو التصوف الذي إن نحن لزمناه كان في ذلك نجاتنا وخلاصنا وذلك طالما كان هذا التصوف هو ما يُمكِّننا من تبيُّن هذه الدنيا على حقيقتها بهذا الذي يشتمل عليه من تمحيصٍ لعباداتنا وفرائضنا حتى لا يكون كل حظ الله تعالى منا هو ما نردِّده بألسنتنا دون أن تعي عقولنا هذا الذي نقول، ودون أن تتأثر قلوبنا به.

إن التصوف بمقدوره أن يعيد توجيه عباداتنا صوب الآخرة عوض هذا الدوران في فلك هذه الحياة الدنيا! فنحن ما خلقنا الله تعالى إلا لعبادته، ونحن ما أُمرنا إلا بأن نعبد الله وعيوننا تتطلع إلى الآخرة التي سمحنا لدنيانا بأن تشغلنا عنها!
إن التصوف وسيلتنا لتهذيب وتشذيب عباداتنا حتى تجيء خالصةً لوجه الله تعالى دون أن تشوبها تطلعات لهذه الحياة الدنيا، ودون أن تكون مفتقرةً إلى ما يجعلها مقبولةً عند الله تعالى لأنها أعمال مَن تعلَّقت أنظارهم كما قلوبهم بالآخرة التي خُلقنا لنكون أهلها.

أضف تعليق