
المؤمن بالله حق الإيمان هو من أيقن أن لا ملجأ من الله إلا إليه. فالله تعالى محيط بكل شيء. وهذه الإحاطة الإلهية بأشياء الوجود كلها جميعاً حقيقةٌ لا مفر من الإقرار بها. فالله تعالى قد أبان عن هذه الحقيقة في قرآنه العظيم، وذلك في آياتٍ كريمةٍ منها: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) (من 126 النساء)، (ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (من 54 فصلت)، (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) (20 البروج).
والله تعالى كشف النقاب في قرآنه العظيم عن أنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (16 ق). والمؤمن بالله حق الإيمان موقنٌ بأن لا مفر من الله تعالى في هذه الحياة الدنيا كما في الآخرة (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) (10 القيامة). والمؤمن بالله حق الإيمان مستيقنٌ بأن الله تعالى يُساق إليه كل شيء دنيا وآخرة (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) (30 القيامة). فالإيمان بالله تعالى يُلزِم المؤمن بأن يكون على يقينٍ تام بأن لا مفر هناك من الله، وذلك طالما كان الله هو الإله في السماء وفي الأرض. فالمؤمن بالله حق الإيمان هو من استجاب لأمر الله تعالى بالفرار إليه (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِين) (50 الذاريات). فالمؤمن بالله تعالى حق الإيمان هو من أيقن أن الله متواجدٌ في هذا الوجود فلا يكاد يخلو منه تعالى مكان (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (115 البقرة).
فكيف يتسنى لشيءٍ أن يكون بعيداً عن إحاطة الله الشاملة به والله كرسيه قد وسع السموات والأرض (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 255 البقرة). لذلك كان الإيمان بالله تعالى يُلزم المؤمن بأن يكون مستيقناً من أن إحاطة الله تعالى بكل موجود في هذا الوجود مترتبة على هذا التواجد الإلهي في الوجود. وهذا هو الذي أوجب على المؤمن أن يكون على هذا القدر من الإيمان الذي لا تشوبه شائبةٌ من غفلةٍ أو نسيان. فالمؤمن بالله حق الإيمان مدركٌ لما يعنيه أن يكون الله محيطاً بكل شيءٍ إحاطةً لا ينفع معها التجاء إلى من بوسعه أن يُجيره من الله. فلا مجير من الله ولا ملجأ منه طالما كان الله متواجداً حيثما التجأ الهارب منه. فكيف يكون لك أن تفر من الله وأنت ليس لك من قيامٍ إلا بالله؟!
إن الإيمان بالله تعالى يضطر المؤمن به إلى وجوب الإيقان بأنه في كنف الله أنى حلَّ أو ارتحل. ولذلك كان المؤمن بالله حق الإيمان يوقن بأنه لا يمكن له ألا يكون مؤمناً؛ فالإيمان يضطر المؤمن إلى أن يقوم بكل ما من شأنه أن يجعل منه يزداد إيمانه بما يقوم به من صالحات الأعمال التي هي ما تتطلبه الحكمة القائمة على أساسٍ من الايقان بأن الله تعالى محيطٌ بالوجود وبكل موجود فيه.
وهكذا يتبيَّن لنا أن العاقل الحصيف هو من دفعه إيقانه بهذا التواجد الإلهي في كل مكان إلى الاستزادة من العبادة حتى لا يؤاخَذ بجناية القول بالإيمان دون أن تؤكد قولَه هذا أعمالٌ تشهد له بأنه قد أيقن بأن لا ملجأ من الله إلا إليه.
