
تفصِّل سورة “المؤمنون” ما ينبغي أن يكون عليه المسلم حتى يكون من المؤمنين بالله وباليوم الآخر فيكون بذلك من المفلحين الذين أفلحوا دنيا وآخرة: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(7)وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(9)أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ(10)الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وهذه الصفات الست التي يجب أن يتحلى بها المسلم حتى يُحسَب عند الله من المؤمنين، تستدعي منه وجوب أن يناصب نفسَه العداء من بعد أن يكون قد استيقن أنها لا تريد له خيراً، وأنها متسلطةٌ عليه بهواه الذي هو رهينها وأسيرها ووسيلتها للتحكم فيه حتى لا يكون بمقدوره أن يرفض لها طلباً فيبقى عاجزاً بالتالي عن أن ينصرف إلى ما خُلق لأجله عبادةً لله تعالى خالصةً من مداخلاتها ومناكفاتها.
وهذه الصفات الست التي ينبغي أن يعمل المسلم جاهداً حتى يتصف بها تتطلب منه بعدُ أن ينتهج منهاجاً لمحاربة نفسه قائماً على أساسٍ من الكفر بكل إلهٍ غير الله تعالى مبتدءاً بكفره بهواه الذي تطالبه نفسه بأن يتخذه إلهاً فيكفر بالله. ولذلك فلقد حرصت سورة “المؤمنون” على ألا تنتهي قبل أن تجيئنا بما يكفل لنا أن نتبيَّن هذه العلاقة الوثيقة بين الفلاح في الدنيا والآخرة وبين الكفر بكل إلهٍ غير الله (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (117 المؤمنون).
إذاً فلا سبيل لأن يكون المسلم من المؤمنين إلا بأن يكفر بهواه الذي تطالبه نفسه بأن يتخذه إلهاً من دون الله تعالى. وهذا الكفر بالهوى هو جماع ما يتوجب على المسلم القيام به من صالحات الأعمال التي بها، وبها فقط، يتأتى له أن لا يجعل لنفسه وهواه عليه سلطاناً يحول بينه وبين تمكين الإيمان بالله من استيطان قلبه فلا يعود بعدها بمقدوره أن يُسلم قياده لغير الله تعالى حتى وإن كان هواه هو مَن يزيِّن له ذلك. وهذا أمرٌ جلَل لا قدرةَ للعبد على القيام به إلا بالإخلاص في عباداته إخلاصاً لا سبيل إليه إلا بأن يعمل جاهداً على أن يجعل هذه العبادات خالصةً لوجه الله تعالى دون أن تخالطها أيةُ شائبةٍ من كفرٍ أو نفاق أو رياء.
ولذلك كان الإيمان أمراً ليس باليسير الوصول إليه. فالإنسان عسيرٌ عليه أن يخالف عما تأمره به نفسه ويزيِّنه له هواه. وهو لذلك بأمس الحاجة إلى منهاجٍ تعبُّدي قائمٍ على أساس من الالتزام الحرفي بما جاءنا به قرآن الله العظيم من أوامر لا مجال هنالك على الإطلاق للتفريط في أيٍّ منها.
والتصوف هو هذا المنهاج التعبدي الذي يجعل المسلم حريصاً كل الحرص على تنفيذ ما جاءت به آياتُ القرآن العظيم من أوامر تعبدية لا إيمان حقيقياً لمن لا يتقيد بتنفيذها (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (من 14 الحجرات).
