
خرج علينا في الآونة الأخيرة نفرٌ ممن يصرُّون على أن يقاربوا كلام الله تعالى مقاربةً دنيويةً فقالوا قولاً لم يسبقهم إليه أحدٌ من العالمين، وذلك بقولهم إن الله تعالى لم يحرِّم شرب الخمر صراحةً في قرآنه العظيم، وإن تحريم شربها لم يرد له ذكرٌ على الإطلاق في الإسلام! ويستند هذا النفر إلى أن الله تعالى أمرنا بأن “نجتنب الخمر” فحسب وذلك بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) (90 -91 المائدة).
والعجيب أن هذا النفر لا يريدنا أن نتدبَّر هاتين الآيتين الكريمتين تدبراً يجعلنا نتبيَّن ما انطوت عليه كلماتهما الكريمة من معنى لا يكاد يفترق عن معنى التحريم على الإطلاق! فالله تعالى إذ أمرنا بأن نجتنب الخمر، فإن هذا الأمر الإلهي لا يختلف في شيء عن أمر التحريم الذي ورد صراحةً بحق مفرداتٍ فصَّلتها آياتٌ كريمة من مثل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (من 3 المائدة)، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (173 البقرة)، (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيما. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (23 -من 24 النساء).
فالتحريم الصريح الذي فصَّلته هذه الآيات الكريمة لا يختلف في شيء عن أمر الله تعالى “باجتناب الخمر”. وكل من يظن أن أمر الله تعالى بأن نجتب الخمر لا ينبغي أن يفهم على أنه تحريم لها، هو في حقيقة الأمر لم يتدبَّر القرآن العظيم التدبُّر الذي كان ليجعل منه يتبيَّن أن الأمر الإلهي بالاجتناب هو في حقيقته أمرٌ من الله تعالى بالتحريم، وإلا فكيف فاته ما جاء على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام من دعاء بيَّنته الآية الكريمة 35 من سورة إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)؟ فسيدنا إبراهيم عليه السلام دعا الله تعالى أن “يجنبه” وبَنيه أن يعبد الأصنام فيحول بينه وذريته وبين عبادتها. وأحمقٌ هو من يظن أن عبادة الأصنام لم يحرِّمها الله بحجة أن دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام اشتمل على الطلب من الله تعالى بأن “يجنِّبه” وبَنيه هذه العبادة!
إذاً يتبيَّن لنا مما تقدم بطلان حجةَ مَن يتذرع بعدم ورود نص صريح في القرآن العظيم يحرِّم شرب الخمر، وذلك بالاستناد إلى أن الأمر الإلهي بتجنُّبها لا يشتمل على أمرٍ من الله تعالى بتحريمها! فالله تعالى شاء أن يحرِّم الخمر بأمره لنا بأن نجتنبها، وليس لنا أن نفرض على الله تعالى ما ينبغي أن يجيئنا منه من كلماتٍ لا نرضى عنها بديلاً حتى تضطرنا هذه الكلمات إلى الامتناع عن شرب الخمر!
