
تحدثت في منشورات سابقة عن البرزخ الذي خلقه الله تعالى فجعله حجاباً حاجزاً يفصل بين عالمَين هما عالَم هذه الحياة الدنيا وعالَم من فارقها من بني آدم بروحه. ولقد جاءنا القرآن العظيم بخبر هذا البرزخ في سورة المؤمنون (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (99 -100 المؤمنون). و”برزخ العالمَين” هذا يجعل من المستحيل على أحياء بني آدم أن يتواصلوا مع من أسكنه الله تعالى عالَم الأرواح فجعلهم في سبات حتى قيام الساعة. وعالَم الأرواح هذا قد ذكره القرآن العظيم على أنه “كتاب الله” (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55 -56 الروم). وبذلك تقدِّم لنا آية “كتاب الله” هذه ما يُعين على فقه ما جاءنا به قرآن الله العظيم من آياتٍ كريمة تذكر “الكتاب” هذا فيكون لنا بالتالي ألا نخلط بين معناه هذا وبين معانٍ أخرى كثيرة لكلمة “كتاب” يزخر بها هذا القرآن. وهذه الآيات الكريمة هي (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِين) (37 الأعراف)، (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) (51 -52 طه).
وقد يظن البعض أن هذا التأويل لكلمة “كتاب” يتناقض مع ما ينبغي أن يكون عليه تأويل هذه الكلمة التي هي في ظنهم لا يمكن أن تملك معنى يخالف المعنى الذي توهموه معناها الوحيد! فهؤلاء لا يريدون أن يصدِّقوا أن الكلمة القرآنية الكريمة لها أن تتخذ معنى يخالف معناها القاموسي أو معناها الذي تواضعنا عليه، وذلك وفقاً لما يجعلها تتجلى به السياقُ الذي ترد ضمنه.
