
“الشك أساسُ اليقين” عبارةٌ يتذرع بها كثيرٌ منا، وذلك تبريراً لما نحن عليه من حالٍ هو أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان! وحالنا هذا لا يختلف في شيء على الإطلاق عن حال مَن سبقنا من أمم داخلَهم الشك فيما جاءتهم به رسل الله تعالى من الحق، فكان لسان حالهم هو شكٌّ مريب بالله الواحد الأحد وبالآخرة التي لم تكن عندهم إلا ضرباً من الخيال! فالشك الذي هو أساس اليقين يستدعي من العقل الذي يشك أن يكون مشغولاً بالحقيقة باحثاً عنها لا أن يكون في غفلةٍ عنها منشغلاً بكل شيء سواها! ولذلك فإن التذرع بحجة “الشك” لن يجعل من المرء معذوراً بهذا الذي هو عليه من رفضٍ للإقرار بما جاء به دين الله تعالى من حق! فالشك لن يقودك إلى اليقين إلا إذا كان عقلك مشغولاً بالحقيقة انشغالاً يوجب عليك الالتجاء إلى الله تعالى تستهديه علَّه يهديك إلى الحق إن صدقت منك النيَّة وصحَّ منك الانشغال به، وإلا فإن تذرُّعك بالشك لن يجعلك إلا واحداً من أولئك الذين أعرضوا عن الحق لأنه جاءهم بما يخالف ما تدعوهم إليه النفس ويزيِّنه لهم الهوى!
إن الشك الذي ليس بأساسٍ لليقين هو حجة مَن سبق من أمم وأقوام ذكرهم قرآن الله العظيم في آياتٍ كريمة كثيرة منها: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (9 إبراهيم)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (104 يونس)، (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب) (62 هود)، (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُون) (66 النمل).
فهذا الشك الذي كان عليه مَن سبقنا من أقوامٍ وأمم لا ينبغي أن نتذرَّع به حجةً حتى لا نؤمن بما جاءنا به دين الله تعالى من الحق. فهذا شكٌّ خبيث لا أصل له، وهو كلمة خبيثة جاءنا قرآن الله العظيم بتوصيفٍ لها في الآية الكريمة (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) (26 إبراهيم). أما الشك الذي يوصِل إلى اليقين، فهو شكٌّ حميد إذ يجعل صاحبَه ملتاعاً به فلا يهنأ له بال حتى تصل إليه الحقيقة لفرط انشغاله بها وبحثه عنها والتجائه إلى مَن لن يخيب عنده الرجاء إذا ما استهديتَه طلباً لها. لذا كان هذا الشك سبيل الباحثين عن الحقيقة بإخلاصٍ يجعل من الواحد منهم مدركاً ألا وصولَ إلى هذه الحقيقة إلا بمن خلق المشكلةَ وخلق حلَّها وجعل السيرَ على الطريق إليه سبيل هذا الحل.
