
يشتمل القرآن العظيم على عدد غير قليل من الآيات الكريمة التي تُفصِّل ما وعد الله عبادَه. ولقد وصف الله تعالى وعده الإلهي بأنه حق (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (122 النساء)، (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون) (55 يونس)، (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُون) (60 الروم).
كما وصف الله تعالى وعدَه الحق بأنه وعدٌ مفعول لن يكون بمقدور أحد على الإطلاق أن يحول دون تحقُّقه (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) (من 5 الإسراء)، (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) (18 المزمل).
وهذا الوعد الإلهي المفعول هو وعدٌ مسؤول. فالله تعالى يصف وعده بأنه وعدٌ يحق للموعود أن يسائله إن لم يتحقق هذا الوعد (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) (من 16 الفرقان).
وبذلك يتبيَّن لنا بتدبُّر ما ورد أعلاه من آياتٍ كريمة أن وعد الله تعالى ليس كمثله وعد؛ فهو وعدٌ حق لابد وأن يتحقق مهما حدث، وهو وعدٌ مفعول طالما كان تحقُّقه أمراً لا مفر ولا مناص منه، وهو بعدُ وعدٌ مسؤول لا يملك هذا الوجود إلا أن تجيء وقائعُه وأحداثُه مصداق هذا الوعد الذي جعله اللهُ تعالى وعداً للموعود به أن يثق تمام الثقة بأنه وعدٌ منجَز لا محالة طالما كان يحق له أن يسائل الله تعالى إن هو لم ينجزه.
لقد اشتمل القرآن العظيم على آيات الوعد الإلهي، وذلك حتى لا تكون هناك للموعود حجة على الله تعالى، وحتى يركن إلى وعد الله فيكون له هذا الوعد الوقود الدافع له على طريق الله فلا تفتر له همة ولا تنالُ منه النفسُ فتجعله يؤثر السماع لها على الانصياع لما يأمره به هذا الطريق ويوجبه عليه. فيكفي السائر على طريق الله ما جاءت به الآية الكريمة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (55 النور).
