
“يلح القرآن العظيم على الإنسان بأن يلزم شكر الله تعالى فلا يفارقه. وما ذلك إلا لأن في شكر الله ما فيه من توطين للقلب على استذكار مننه تعالى ونِعمه وأفضاله، وبما يجعل من العسير عليه أن يصغي لما تقول به النفس ويُزيِّنه الهوى. فالإنسان إن لم يجابه نفسه وهواه بهذا الاستذكار لنِعم الله سيبقى أسيرهما منشغلاً بالترهات والتوافه وسفاسف الأمور دوراناً عقيماً وبائساً في فلك الإشفاق على الذات تحسراً على ما فاته من زخرف هذه الدنيا ومتاعها الزائل وبهرجها غير ذي القيمة الحقة! لذلك كان شكر الله تعالى هو دأب الصالحين من أنبياء وأولياء ومن سار على طريق الله تعالى متأسياً بصالح أعمالهم. وشكر الله تعالى يستدعي من الإنسان أن يكون ممتناً على الدوام لفضل الله تعالى عليه. وهذا الامتنان يجعل الإنسان عاجزاً عن التطلع إلى ما أنعم الله تعالى به على غيره وهو المنعم المنان الحكيم الخبير مقسِّم الأرزاق. فالإنسان الشاكر لله تعالى مكتفٍ بما أنعم الله تعالى به عليه فلا حسد يداخله ولا غل ولا حقد. فالحسد والغل والحقد هي بعض نتائج وثمار انصياع الإنسان لما توسوس به نفسه ويزيِّنه له هواه. ولو أن الإنسان اكتفى باستذكار ما هو عليه من نعمةٍ وفضلٍ من الله تعالى لما تجرَّأت نفسه ولما طوَّع له هواه أن يتجرأ على الله بحسد ما بين يدي غيره من خلق الله. وبهذا يكون الشكر لله تعالى وسيلة العابد للتقرب إلى الله تعالى بهذا الذي يجعله هذا الشكر مصغياً لصوت الحق عوض الإنصات لصوت الباطل الذي تواظب نفسه على الوسوسة به ليل نهار.
وقد يظن البعض أن شكر الله تعالى هو ما ينطق به اللسان من عبارات الشكر والامتنان فحسب! وهذا ليس هو المقصود بالشكر وذلك طالما كان الشكر الذي يريدنا الله أن نلزمه فلا نفارقه ينطوي على تقبُّل قدَره تعالى والرضا به دون أن تُداخِل القلب تطلعات وأمنيات وحسرات على ما فات.
فشكر الله تعالى منطوٍ على هذا التقبُّل لما جادت به يد الله تعالى عليك فلا يكون هناك من اعتراض على قدَرك الذي هو عين ما أنت بحاجةٍ إليه كيما يكون بمقدورك أن تصل إلى ما يريده الله لك إن أنت أحسنتَ الاستفادة من مفرداته استذكاراً بكل ما بمقدورك أن تحيط به وتقع عليه من عظيم فضله تعالى عليك. ولا حجةَ ولا عذرَ لمن ينظر إلى حاله فلا يرى موجباً هناك للشكر فيغيب عنه أنه مكلَّل بفضل الله وإنعامه بهذا الذي هو عليه من سمعٍ وبصرٍ وفؤاد!
