
الله تعالى أصدق المحدِّثين وهو أصدق القائلين. وإذا كان القرآن العظيم قد نص صراحةً على هاتين الحقيقتين في آيتين كريمتين هما: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (من 87 النساء) و(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (من 122 النساء)، فإن تدبُّر ما بين أيدينا من وقائع وأحداث وظواهر ذات صلة بالظاهرة الإنسانية كفيلٌ بجعلنا نستيقن من أن هاتين الحقيقتين يشهد لهما بأنهما كذلك ما انطوت عليه هذه الظاهرة من مفرداتٍ يتبيَّن لكل من يُعمِل العقلَ فيها صدقُ ما جاءنا بشأنها قرآن الله العظيم الذي هو حديث الله تعالى وقوله.
فالإنسان ظاهرةٌ خارقة لكل ما يظن العلم الوضعي أنه قد وقع عليه من مفرداتها. وهذا الخرق يجعل من الرواية القرآنية لما حدث فجعل من الإنسان على ما هو عليه من تفرُّدٍ واستثنائية هي أصدق حديثٍ وأصدق قولٍ بشأن ماضي الإنسان الذي ما كان لحاضره أن يتجلى بهذا التفرُّد والاستثنائية لولا ما حدث فيه فجعل من الإنسان عصياً على أن يُعلَّل لما هو عليه بالرجوع والالتجاء إلى ما يظنه ويتوهمه العلماء. فالماضي “العلمي” للإنسان عاجزٌ عن أن يأتينا بالأسباب التي جعلت من هذا الإنسان يشذ عن الطبيعة التي يصر العلم الوضعي على أنها أصله ومنبته. فليس هناك في العلم الوضعي ما هو قادرٌ على أن يعلل لهذا الإنسان وذلك بالاكتفاء بما بين أيدي العلماء من مفردات ماضيه التطوري. وحده حديث الله وقوله تعالى مَن بمقدوره أن يجعلنا قادرين على أن ننظر إلى الإنسان فنراه ظاهرةً بالإمكان التعليل لفرادتها واستثنائيتها وذلك بالرجوع إلى ما جاءنا به القرآن العظيم من خبر ما حدث للإنسان في ماضيه السحيق فجعل من حاضره متفرداً بهذا الشذوذ عن الطبيعة ومفرداتها.
وهذا الذي ميَّز الإنسان، فجعل ماضيه التطوري عاجزاً عن أن يعلِّل لحاضره، ما هو إلا غيضٌ من فيض ما بمقدور تدبُّر القرآن العظيم أن يبيِّنه لنا من أن الله هو بحق أصدق المحدِّثين وأصدق القائلين. ولذلك احتوى قرآن الله على الأمر الإلهي (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) (من 95 آل عمران). فليس هناك مَن بمقدوره أن يكون صادقاً بشأن الوجود، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، إلا مَن كفل لهذا الوجود الخلق والبقاء المأجول بأجلٍ لا يعلمه إلا هو.
