العلم الذي يؤتيه الله

العلم في القرآن العظيم علمان: علمٌ إلهي يؤتيه اللهُ تعالى مَن يشاءُ من عباده، وعلمٌ بشري بظاهر هذه الحياة الدنيا له أن يخطئ كما له أن يصيب. ويخطئ جسيم الخطأ كل من يماهي بين هذين العِلمين فيظن ويتوهم ألا فرق هناك بينهما، وأن العلم البشري يوافق ما يقول به العلم الإلهي طالما كان هو علماً! ولقد فنَّد قرآن الله العظيم هذا الظن بقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (83 غافر). فالعلم البشري علمٌ وضعي تواضعنا على صياغة مفرداته وهو علمٌ لا يمكن لصحيحه أن يتجاوز قدَره المعرفي الذي حتَّم عليه وجوب أن يكون ظاهرَ هذه الحياة الدنيا هو أقصى ما بمقدوره أن يخوضَ فيه دون أن يكون مقدَّراً له أن يتجاوز حدود هذا الظاهر إلى ما هو وراؤه من حقائق غُيِّبت عنه بسببٍ من كونها مفرداتُ عالَم الغيب الذي لم يؤهَّل عقلُ الإنسان حتى يكون قادراً على التفاعل المعرفي معه وبما يُمكِّنه من التعرُّف إلى قوانينه كما هو قادرٌ على استكشاف واستكناه قوانين هذه الحياة الدنيا. فالعلم بغير ظاهر هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن يكون إذاً إلا “علماً إلهياً” يؤتي اللهُ تعالى منه من يشاءُ من عباده ما يشاء. وهذا علمٌ لا سبيل إليه باجتهادٍ وتحصيل ولكن يُلقَّاه مَن شاء الله تعالى له أن يحظى به لغايةٍ الله أعلم بها. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبرنا الآيات الكريمة التالية: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) (107 -108 الإسراء)، (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُون) (49 العنكبوت)، (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (6 سبأ).

و”الذين أوتوا العلم” هم العلماء الذين امتدحهم قرآن الله العظيم بقوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (من 28 فاطر). وهؤلاء العلماء هم ليسوا “العلماء” الذين أصبحوا علماء باجتهاد منهم مكَّنهم من الإحاطة بما قُيِّض لهم أن يحيطوا به من مفردات العلم بظاهر هذه الحياة الدنيا. وهذا وهم كبير قد نقع فيه إذ نماهي بين العلماء الذين أوتوا العلم من لدن الله تعالى، وبين “العلماء” الذين اكتسبوا علمهم خوضاً في غمار هذا الظاهر (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (من 6 -7 الروم).

إذاً فلا تَوافُق هناك ولا تطابق بين علمٍ إلهي يؤتيه الله من يشاء من عباده، وبين علمٍ بشري وضعي يتوصل إليه الإنسان بإعمال عقله في ظاهر هذه الحياة الدنيا.

أضف تعليق