
تحدثت في منشوراتٍ سابقة عن عربية القرآن العظيم وعن كونها لا تتطابق بالضرورة مع عربيتنا الدارجة. وفي هذا المنشور سوف أسوق مثالاً آخر على ما لعربية القرآن العظيم من تفرُّد نحوي يجعلها تخالف عما افترضناه من أحكام وقواعد خلنا معها ألا استقامةَ للغتنا العربية دون انضباطها بها.
لنتدبر الآية الكريمة (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) (78 الأنبياء). فالملاحظ في هذه الآية الكريمة أنها تتحدث عن إثنين من أنبياء الله تعالى هما سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام، ومع ذلك تشير هذه الآية الكريمة إليهما بصيغة الجمع “حكمهم” عوض صيغة المثنى “حكمهما”.
وهذا يذكِّر بآية الأسماء في سورة البقرة (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين) (31 البقرة). ففي هذه الآية الكريمة يتحدث القرآن العظيم عما حدث لآدم وحواء فيذكرهما بصيغة الجمع: “عرضهم” و”هؤلاء” عوض صيغة المثنى: “عرضهما” و”هذين”. ولقد أدى إغفال ما تتميز به عربية القرآن العظيم من تفردٍ لغوي وتميزٍ نحوي بمن رام تأويل هذه الآية الكريمة إلى الوقوع في خطأ جسيم وذلك لأن الإصرار على أن صيغة الجمع لا تعود على آدم وزوجه جعلت من التأويل يجنح بعيداً عن الصواب في متاهات الظن بأن المقصود بـ “بأسماء هؤلاء” هو أسماء الأشياء كلها والمخلوقات وما إلى ذلك، وليس إسمَي آدم وحواء.
