
نظن ونتوهم أن ذكر الله تعالى هو باللسان فحسب! وهذا ظن في غير محله إذ أن القرآن العظيم قد أبانَ عن أن الذكر الذي يتوجب علينا أن نلزمه فنكثر منه ما استطعنا هو ذكر القلب لله تعالى ذكراً يكون فيه الذاكر واعياً ومدركاً لما يقول فلا يقتصر هذا الذكر على اللسان بينما ينشغل القلب بشواغل هذه الحياة الدنيا التي لا تعدم وسيلةً لصرف انتباه العقل إلى كل ما يجعله لا يعي ما يذكر ولا يعنيه. ولذلك حرص القرآن العظيم على تذكيرنا بأن لا نكون من الذين أغفل اللهُ تعالى قلوبَهم عن ذكره بهذا الانشغال منها بما خُلقت الحياة الدنيا مزودةً به من عوامل تشتيت الوعي زينةً وزخرفاً وبهرجاً. فالذاكر لله حقاً لا تشغله عن ذكره هذه الشواغل الدنيوية التي تعجز عن أن تستوطن قلبه طالما كان هذا القلب منشغلاً حق الانشغال بالله تعالى عنها. وهذا أمرٌ جلل ليس باليسير إتقانه طالما كان الانسان قد جُبل على أن ينشغل بهذه الحياة الدنيا التي جعلها الله فتنةً له وذلك حتى يميز الخبيث من الطيب.
ولقد جاءنا القرآن العظيم بما هو كفيلٌ بجعلنا نعرض عن غفلة القلب عن ذكر الله تعالى وذلك بقوله الكريم (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (من 28 الكهف). فالقلب يذكر الله تعالى بهذا الانشغال منه بكل ما يذكِّره بما يريده الله تعالى منه تذكُّراً لآياته ولآخرته وإعراضاً عن كل ما جعله الله مشتِّتاً لوعيه فلا يُخفِق في ابتلاء التمحيص الذي جعله الله السبيل الوحيد لارتقاء الإنسان مدارج القربى منه تعالى.
إذاً فلنحرص على أن لا تنشغل قلوبنا عن الله بتذكر غيره. فاللهُ تعالى لن يُقرِّب إليه مَن كان مشغولاً عنه بسواه. ويخطئ من يظن أن ذكر الله تعالى متحقِّقٌ باللسان دون أن يكون للقلب حضور. فغياب القلب عن ذكر الله تعالى كفيلٌ بمحق عباداتك التي يريدها الله تعالى أن تكون بحضور القلب حتى يتحقق لك ما يجعل منك مؤهلاً للتقرَّب إلى الله. فليس هناك من سبيلٍ لنجاحك في التقرب إلى الله غير هذا الذي يجعل منك منشغل القلب به تعالى انشغالاً لن يتحقق لك بذكرك الله بلسانك فحسب.
