“وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ”

انتهيت في المنشور السابق إلى أن ذكر الله تعالى لا ينبغي أن يكون باللسان دون حضور القلب، وذلك لما لهذا الحضور من أثر بالغ في ترسيخ الفوائد الجليلة التي ينطوي عليها ذكر الله تعالى. ولقد جاء في قرآن الله العظيم ما هو كفيلٌ بجعلنا نتبيَّن بتدبُّره ما للقلب من دورٍ مركزي في الأعمال التعبدية للمسلم (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (14 الحجرات).

فدخول الإيمان في القلب أمرٌ يتطلب الكثير الكثير من إتقان الأعمال التعبدية التي أمرنا اللهُ تعالى بها. ويأتي متصدراً قائمة هذه الأعمال حرص المسلم على العمل على إتقان عباداته حتى تأتي هذه العبادات خاليةً من الرياء ومن مداخلات النفس وتزيينات الهوى. فالأعمال التعبدية للمسلم تستدعي منه وجوب ألا ينشغل قلبه بشواغل الحياة الدنيا أثناء تأديته لها ما استطاع. فهذا الانشغال منه بها سيحول دون تغلغل الإيمان واستيطانه في قلبه. ولذلك كان ذكر الله تعالى باللسان دون حضور القلب عملاً تعبدياً ناقصاً مفتقراً إلى الإتقان الذي أخبرنا حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بأن الله تعالى يحب إذا عمل أحدنا عملاً أن يتقنه. فإتقان العبادات هو سبيل المسلم إلى جعل الإيمان يتوطَّن قلبه فلا يغادره. هذا ناهيك عن كون الإتقان هو مفتاح ازدياد الإيمان الذي هو مطلب المسلم ذي العقل الحصيف (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون) (124 التوبة)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون) (2 الأنفال).

فإذا ما واظب المسلم على إتقان عباداته فكان له أن يحظى بالمقدرة على جعل إيمانه يتغلغل في قلبه، فإن الله تعالى سيعمل على أن يجعل إيمانه هذا يزداد وذلك بتنزيله السكينة في قلبه (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (4 محمد).

وهكذا يتبين لنا أن العبادات في الإسلام قائمةٌ على أساسٍ من إتقان المسلم لها، وأن هذا الإتقان مشروط بحضور القلب في هذه العبادات انشغالاً بالله دون أن تداخل وتمازج هذا الانشغال شواغل هذه الحياة الدنيا.

أضف تعليق