
يؤمن أكثرنا بالله دون أن يجعل هذا الإيمان منه كائناً يعي أن الله تعالى، الذي يزعم أنه قد آمن به، حيٌّ فاعلٌ في الوجود أفعالاً هي البرهان على أنه حيٌّ بحق. وبذلك يكون هذا الإيمان مزعوماً غير قائم على أساس من التصديق الحقيقي الذي من علاماته البيِّنات أن يكون للمؤمن بالله حق الإيمان ما يتجلى عليه وحواليه من الدلائل والبراهين على إيمانه بالله. فلا إيمان حقيقياً بالله إن لم تتجلَّ على المؤمن به تعالى من هذه العلامات والبراهين ما هو كفيلٌ بجعله نبراساً ومشكاةً ومصباحاً يتلألأ بكل ما هو دالٌّ على أن الإيمان بالله قد دخل قلبه واستوطنه، وإلا فكل زعمٍ بالإيمان بالله لا تصدِّقه هكذا براهين وأدلة ما هو إلا ظنٌّ لا يغني من الحق شيئاً.
فالإيمان الحقيقي بالله كفيلٌ بجعل المؤمن يعي أن من آمن به حيٌّ، وأنه لذلك يستدعي منه وجوب أن يتفاعل مع هذه الحياة الدنيا على ضوءٍ من إيقانه هذا. فلا يُعقل أن يكون الله تعالى حياً عند من يزعم أنه مؤمن به حقاً وهو يصول ويجول متفاعلاً مع هذه الحياة الدنيا تفاعلَ أهلها الذين غرَّتهم بزينتها وزخرفها وبهرجها! فإن كنا نؤمن بالله تعالى حق الإيمان، وإن كان اللهُ عندنا حياً فاعلاً في الوجود الفعلَ الذي لابد للحي أن يفعله، فلا ينبغي والحال هذه أن يكون حالنا مع الله تعالى حالَ مَن أغفلَ اللهُ قلبَه عن ذكره فنسيه! فحالُ المؤمن مع الله تعالى حالٌ يوجب عليه أن يستذكر على الدوام ما استطاع أن اللهَ الذي آمن به قادرٌ في أية لحظة على التدخُّل بشكلٍ مباشرٍ في هذا الوجود تدخلاً ينجم عنه كل ما هو قمينٌ بأن يبرهن على أنه تعالى حيٌّ حاضرٌ غير غائب كما يتوهم مَن غرَّته هذه الحياة الدنيا وأوهمته نفسُه خلاف ذلك.
