
خلق اللهُ السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (59 الفرقان). وهذا الخلق الإلهي للوجود هو خلقٌ بالإمكان توصيفه بأنه “خلْق سبَبي”، وذلك مقارنةً بـ “الخلْق اللحظي” الذي ستنجم عنه سموات وأرض الآخرة (َهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73 الأنعام).
ولقد كان بمقدور الله تعالى أن يخلق السموات والأرض وما بينهما خلقاً لحظياً بـ “كن فيكون”؛ فلماذا خلق اللهُ تعالى الوجود خلقاً سببياً إذاً؟ يتكفل بالإجابة على هذا السؤال أن نستذكر حقيقة أن هذا الوجود قائمٌ بالأسباب التي خلقها اللهُ تعالى وسلَّطها عليه حتى يستقيم أمره فيتسنى لوقائعه وأحداثه أن تحدث بهذه الأسباب التي هي الحجاب الذي يفعل الله تعالى من ورائه ما هو كفيلٌ بتسيير هذه الوقائع والأحداث بتدخلٍ إلهي غير مباشر من لدنه تعالى.
وهذه هي العلة من وراء خلق الوجود خلقاً سببياً تتداخل فيه الأسباب والنتائج، وذلك حتى يكون لله تعالى أن يتوارى من وراء حجاب الأسباب هذا توارياً عرَّفنا القرآن العظيم بحقيقته، وذلك بذكره واحداً من أسماء الله تعالى الحسنى هو اسمه “الباطن” (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (3 الحديد).
