
هناك فهمٌ خاطئٌ للآية الكريمة (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (21 الذاريات) يُظَن بموجبه أن مقصودها ذو صلةٍ بما انطوت عليه خِلقة الله تعالى لبَدَن الإنسان من عجائب فريدة تكفي للبرهنة والتدليل على أن خالقَه هو الله تعالى. وقد يكون مرَد هذا الظن هو أن هذه الآية الكريمة قد جاءت تاليةً لآيةٍ كريمةٍ سبقتها يُفهم منها ما يتوافق مع ما انتهى إليه الفهم التقليدي هذا. وهذه الآية الكريمة هي (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (20 الذاريات). فمقصود الآيتين الكريمتين بالإمكان تبيُّنه وذلك باستذكارنا آياتٍ كريمة أخرى من مثل: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (من 109 يوسف)، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (46 الحج).
إذاً فالمقصود هو تدبُّر ما آلَ إليه أمرُ من سبق من أقوامٍ دمَّر اللهُ تعالى عليهم بسببٍ من إعراضهم عن هَديهِ الذي أرسل به رسله الكرام. وليس المقصود بهاتين الآيتين الكريمتين هو ما تشتمل عليه الأرض من بدائع خلق الله تعالى وجميل صنائعه كما قد يُظن. وهذا هو عين ما تقصد إليه الآية الكريمة التي يدعو الله تعالى بها الناس إلى تدبُّر أنفسهم. فليس المقصود هو خِلقة الإنسان وما تشتمل عليه من عجيب صنعةٍ إلهية كما قد يُتوهَّم. فمقصود هذه الآية الكريمة هو ما يُنزِله الله تعالى بساحةِ مَن عصاه من عذابٍ أليم بالإمكان تبيَّنه على ما هو عليه حقاً وحقيقة إذ لا سبيل هناك لإرجاعه إلى غير الله تعالى علةً وسبباً له. فالناظر إلى مَن غضب اللهُ تعالى عليه فأنزل به عذابه، لا يمكن أن يُرجِع ما يرى من آثار هذا العذاب إلى أحدٍ آخر غير الله تعالى، ومن ذلك الآية الكريمة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (65 البقرة)
وهذا هو عينُ ما بوسعنا أن نتبيَّنه إذا ما نحن تدبَّرنا الآية الكريمة (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (53 فصلت). فهذه الآية الكريمة تبيِّن ما بوسع المتدبِّر أن يتبيَّنه بتوسُّمه ما سيحدث لمن كفر بالله وعصاه من عذابٍ إلهي لا يمكن أن تدل آثاره على غير الله تعالى الذي وحده هو من بمقدوره أن يتسبب بهكذا عذاب.
