
يصر كثيرٌ ممن يقرأون القرآن العظيم دونما تدبُّر على أن العربية القرآنية ليس لها أن تخالف عن عربيتنا الدارجة! وهذا إن دلَّ فإنما يدل على قلة خبرةٍ بالقرآن العظيم وبلغته الإلهية التي ليس لها بالضرورة أن تتطابق مع ما درجنا على الأخذ به على أنه النمط الوحيد الذي ليس بإمكان اللغة العربية أن تتجلى بغيره. ولقد أوردتُ في منشوراتٍ سابقة العديد من الأمثلة التي يتبيَّن بتدبُّرها أن لغة القرآن العظيم تتفرد بميزاتٍ لغوية تجعلها ذات خصائص نحوية تختلف عن تلك التي تواضعنا على الأخذ بها تواضعاً منا على أنها ما ينبغي ألا تحيد عنه لغتنا العربية.
وفي هذا المنشور سوف أسوق مثالاً آخر من عربية القرآن العظيم يتبيَّن لمتدبِّره أن لهذا القرآن عربيته الخاصة التي ينبغي أن نتدبَّرها بتفرُّدها دون أن نفرض عليها ما يحدِّد لمفرداتها وعباراتها أن تجيء متوافقةً معه من قواعد وأحكام لغوية ونحوية. فلقد جاءنا القرآن العظيم بكلمتَي “دار” و”ديار” بمعنى. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِين. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (77 -78 الأعراف)، (وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُون. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (90 -91 الأعراف)، (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (36 -37 العنكبوت)، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيز. وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (66 -67 هود)، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (94 هود).
