البأساء والضراء والسراء

“الأوقات العسيرة” أداةٌ بيد الله يسلِّطها على من يشاء من عباده لغايةٍ في نفسه تعالى. وهذا التسليط الرباني قدَرٌ من الأقدار الإلهية يصنع الله تعالى بها على عينه من يشاء من عباده. وهذه الأقدار لا سبيل هناك للإفلات من مُحكَم قبضتها إلا بالصبر عليها ريثما يأذن الله تعالى بأقدارٍ أخرى تتيسَّر فيها الأمور وتنفرج الكروب ويجيء زمان اليُسر من بعد زمان العُسر، وذلك مصداق قوله تعالى (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (من 7 الطلاق). ويخطئ كل من يظن أن العُسرَ يجيء ويذهب هكذا ومن دون أن تكون هناك من ورائه حكمةٌ إلهية يُراد بها الخير والارتقاء لمن طالته يد القدر الإلهية بالصنع تشذيباً وتهذيباً وعلاجاً لما في النفس من عيوب جُبل بها ابن آدم.

ولقد وردت عبارة “البأساء والضراء” في القرآن العظيم مراتٍ أربع: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون) (177 البقرة)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (214 البقرة)، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (42 الأنعام)، (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُون) (94 الأعراف).

و”البأساء والضراء”، إذ هي من أدوات الله تعالى لتصنيع الأخيار، تذكِّر بما جاءنا به قرآن الله العظيم من أدواتٍ إلهيةٍ أخرى منها “السراء والضراء” و”الضراء والسراء”: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (134 آل عمران)، (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (95 الأعراف).

إذاً فالله تعالى متدخلٌ في حياتنا تدخلاً مباشراً من لدنه بوسائل وأدواتٍ منها ما تقدَّم ذكره. وأدوات الله تعالى ووسائله هذه هي من مفردات تفاعله معنا التفاعل الذي نصر على إنكار وجوده وحدوثه، وبذلك يغيب عنا ما كان ليجعل منا نرقى إلى “مصاف تطورية” كانت لتجعل منا بشراً غير البشر الذين نظن ألا وجود لبشرٍ آخرين مغايرين لهم!

إن خروجنا منتصرين من محنة الاختبار الإلهي والتمحيص الرباني، المسلَّطين علينا مادمنا أبناءً لآدم، ، سيجعل من الواحد منا إنساناً كاملاً فاضلاً هو الغاية من خلقنا بشراً في أسفل سافلين يُراد لهم أن يرتقوا عبر العذابات والمِحَن ليصبحوا بشراً في أحسن تقويم.

أضف تعليق