
ليست الأقدارُ كلُّها سواء؛ فذلك ظن الجاهلية غابرها ومعاصرها! فمن الأقدار ما هو حري بك أن تجتهد الجهد كله حتى تغيِّرها، وتلك هي الأقدار التي أنت مطالَب بأن تتولاها بالتغيير الذي خُلقتَ مؤهلاً لتتفاعل معه وتتعامل فتفلح بتحقيقه. ومن هذه الأقدار تلك التي فُرِضت عليك بسببٍ من الوراثة والتنشأة والظروف المحيطة بك إحاطة البيئة بالمتواجدين فيها. وهذه كلها أقدارٌ ليس بالعسير عليك أن تغيِّر فيها ما وقر لديك أنه مضرُّك إن أنت رضيتَ به قدراً ظناً منك وتوهماً أنه ما فُرِض عليك إلا لتقبل به حتف أنفك. ومن الأقدار ما هو ليس بمقدورك أن تتفاعل معه بالرفض والتغيير. وهذه الأقدار، إن إنت شرعتَ بإنفاذ مشيئتك الرافضة لها، ستعمل على استدراج أقدارٍ أخرى لتحل محلها فتتسلط عليك بالقهر والجبر ولن تستطيع بعدها أن تفلت من محكم قبضتها التي ستجعلك تود لو أنك لم تعمل على تغييرها.
ولذلك كان التعامل مع الأقدار يتطلب حكمةً ليس باليسير أن يؤتاها المرء طالما كان السبيل إليها أبعد ما يكون عما عهده من سبلٍ معبدةٍ مُيسَّرة! فالحكمة هذه مِنة من مِنن الله تعالى لا يؤتيها إلا مَن أبانت عن صفاته الآية الكريمة (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (269 البقرة).
